وليس وجود النفوس الغير المتناهية في العالم العقلي على نعت الكثرة العددية ، ولا أنّها ذات ترتيب ذاتي أو وضعي حتى يرد الترديد الذي ذكره في كل واحدة واحدة منها ، ويلزم حينئذ ما ذكره من مجيء وقت لم يبق فيه واحد من النفوس .
وإيّاك أن تتوهّم ممّا ذكرناه إنّ وجود النفوس في المبدأ العقلي وجود شيء في شيء بالقوّة كوجود الصور الغير المتناهية في المبدأ القابلي أعني الهيولى الأولى ، وذلك لأنّ وجود الشيء في الفاعل ليس كوجوده في القابل ، فإنّ وجوده في الفاعل أشدّ تحصيلا وأتمّ فعلية من وجوده عند نفسه ، ووجوده في القابل قد يكون أنقص وأخسّ من وجوده في نفسه وبحسب ماهيّته ، لأنّ وجوده في القابل المستعدّ بالقوّة الشبيهة بالعدم ، ووجوده عند نفسه أن يكون وأن لا يكون ، وله في الفاعل وجود بالوجوب . ووجود النفوس عند مبدئها العقلي وأبيها المقدّس وجود شريف مبسوط غير متجزّ ولا متفرّق ، وهذا مما يحتاج دركه إلى ارتفاع بصيرة القلب عن حدّ علم اليقين إلى حدّ عين اليقين .
( سفع ( 4 / 1 ) ، 367 ، 12 )
وجود الهيولى
- في أنّ الجسمية من حيث هي لا تنفكّ عن الهيولى : قد استفيد من برهان وجود الهيولى من طريق القوّة والفعل أن لا شيء من الأجسام خال عن الهيولى إذ ما من جسم إلّا وفيه شوب قوّة الكمال أو قصور في أوضاع وأفعال وتجدّد وانتقال من حال إلى حال وإن كان في أيسر غرض وأسهل معنى فعلي أو انفعالي ، فإنّ الفلك وإن كان بالفعل من جهة جوهريّته وكمّه وكيفه وأينه ووضعه في نفسه وجميع هيئاته القارّة إلّا أنّ فيه القوّة من جهة أوضاعه بالقياس إلى الغير لعدم إمكان الجمع بين سائر الأوضاع ، وقد علمت أنّ جهة القوّة يرجع إلى شيء هو محض القبول والإمكان ولا محالة يكون لازما للجسمية كما مرّ من عدم استقلاله في التجوهر والقوّة لا تنفكّ عن ذي القوّة وذو القوّة لا يمكن أن يكون مفارقا عقليّا والنفس بما هي نفس لا تنفكّ عن الجسمية فالمشتمل على القوّة أولا وبالذات هو الجسم بما هو جسم .
( سفع ( 2 / 2 ) ، 129 ، 5 )
وجود الواجب
- إنّ حقيقة اللّه لا يساوي حقيقة شيء من الأشياء لأنّ حقيقة ما سواه مقتضية للإمكان ، وحقيقته تعالى منافية للإمكان .
واختلاف اللوازم يستدعي اختلاف الملزومات ، على أنّ وجود الواجب يساوي وجود الممكن في كونه وجودا ، ليس مع ذلك الوجود شيء آخر غير ذاته بل ذاته مجرّد الوجود ، فيكون جميع الوجودات الممكنات متساوية في تمام الحقيقة لذاته . ( سفع ( 1 / 1 ) ، 109 ، 15 )
- في أن وجود الواجب نفس حقيقة : بمعنى أنّه لا مهيّة له تعالى سوى الوجود الخاص المجرّد عن مقارنة المهيّة بخلاف الممكن