يصير وجوده وجودا مفارقا عقليّا لا يحتاج حينئذ إلى البدن وأحواله واستعداده ، فزوال استعداد البدن إيّاها يضرّها ذاتا وبقاءا بل تعلّقا وتصرّفا إذ ليس وجودها الحدوثي هو وجودها البقائي ، لأنّ ذلك مادي وهذا مفارق عن المادة ، فليس حالها عند حدوثها كحالها عند استكمالها ومصيرها إلى المبدأ الفعّال ، فهي بالحقيقة جسمانية الحدوث روحانية البقاء ، ومثالها كمثال الطفل وحاجته إلى الرحم أولا ، واستغنائه عنه أخيرا لتبدّل الوجود عليه .
( سفع ( 4 / 1 ) ، 393 ، 9 )
وجود حق
- الوجود الحق هو اللّه خاصة من حيث ذاته وعينه لا من حيث أسمائه لأنّ الأسماء لها مدلولان : أحدهما عينه وهو عين المسمّى . والآخر ما يدلّ عليه مما ينفصل الاسم به عن اسم آخر ويتميّز في العقل .
فقد بان لك بما هو كل اسم عين الآخر وبما هو غيره . فبما هو عينه هو الحقّ وبما هو غيره هو الحق المتخيّل الذي كنّا بصدده . ( تفسق ( 1 ) ، 35 ، 3 )
وجود حقيقي
- إنّ الوجود في كل شيء أمر حقيقي سوى الوجود الانتزاعي الذي هو الموجوديّة سواءا كانت موجودية الوجود أو موجودية الماهيّة ، فإنّ نسبة الوجود الانتزاعي إلى الوجود الحقيقي كنسبة الإنسانية إلى الإنسان والأبيضية إلى البياض ، ونسبته إلى الماهيّة كنسبة الإنسانية إلى الضاحك والأبيضيّة إلى الثلج ومبدأ الأثر وأثر المبدأ ليس إلّا الوجودات الحقيقية التي هي هويّات عينيّة موجودة بذواتها لا الوجودات الانتزاعية التي هي أمور عقلية معدومة في الخارج باتّفاق العقلاء ، ولا الماهيّات المرسلة المبهمة الذوات التي ما شمّت بذواتها وفي حدود أنفسها رائحة الوجود . ( سفع ( 1 / 1 ) ، 65 ، 14 )
- إنّ الذوق السليم والطبع المستقيم يحكم بداهة بأنّ كون الشيء منشأ للآثار معنى متأخّر عن تحقّقه تابع له متفرّع عليه ، ضرورة أنّ الشيء ما لم يتحقّق لم يصر منشأ لشيء فقط ، ويلزم من هذه المقدّمة البديهيّة ومما اعترفوا به ( المتألهة القائلون بوحدة الوجود ) أن يكون تحقّق الشيء عبارة عن علّته ، وحينئذ فالعلّة التي هي التحقّق إن كان تحققّها بذاتها لا بتحقّق علّة أخرى فهو المطلوب ، وإلّا ننقل الكلام إلى تحقّقه أي علّته وتحقّق تحقّقه وهكذا ، فلا بدّ أن ينتهي إلى تحقّق قائم بذاتها حاصل بنفسه ، وهو عبارة عن الوجود الحقيقي وحقيقة الوجود ، وهو الذي يصير به كل شيء منشأ للآثار ، وهو علّة العلل ، ووجودها ، وباعتبار ارتباط الأشياء به ينتزع منه الكون المذكور ، فافهم . ( رسج ، 481 ، 4 )
- المطلوب من أدلّة إثبات وجوده الانتزاعي ، أي كونه تعالى في الخارج بحيث ينتزع منه هذا المفهوم الانتزاعي ؛ لأنّه المتبادر من لفظ الوجود والمفهوم منه بداهة ، حتى إنه لأجل هذا التبادر قال المتكلّم بانحصار