وكانت كأظلال تحت العرش يسبّحون بحمد ربّهم ، إلّا أنّ المبدأ الأول أمرها بالنزول إلى عالم الأجساد وشبكات المواد ، فلمّا تعلّقت بها استحكم إلفها ، فبعث من تلك الظلال أشرفها وأكملها إلى هذا العالم ليحتال في تخليص تلك الأرواح عن هذه الشبكات ، وهذا هو المراد من " باب الحمامة المطوّقة " من كتاب كليلة ودمنة . ( تفسق ( 3 ) ، 58 ، 7 )
نفوس بهيمية
- كذا النفوس البهيمية تقبل عقولها الهيولانية هيئات بهيمية - من الشهوة والحرص ولذّة البطن ولذّة الفرج والزينة والرعونة وغيرها - حتى تصير مادة تتكوّن فيها صورة بهيمية لكل نفس ما يناسبها من تلك الصور .
( تفسق ( 4 ) ، 212 ، 14 )
نفوس جنية
- قد علم أنّ في الوجود نفوسا أرضية قوية ، لا في غلظة النفوس السبعية والبهيمية وكثافتها وقلّة إدراكها ، ولا على هيئات النفوس الإنسانية واستعداداتها ، ليلزم تعلّقها بالأجرام الكثيفة ، الغالبة عليها الأرضية ، ولا في صفاء النفوس المجرّدة ولطافتها ، ليتّصل بالعالم العلوي ويتجرّد ، أو يتعلّق بعض الأجرام السماوية ، فهي إذن متعلّقة بأجرام عنصرية غلب عليها الهوائية والنارية أو الدخانية على اختلاف أحوالها ومنازلها ، سمّاها بعض الصوفية الصور المعلّقة ، ولها علوم وإدراكات من جنس علومنا وإدراكاتنا الوهمية وأوائل العقليات ، ولما كان لنفوسها ضرب من الفعلية والكمال في أول الفطرة لغلبة النارية على أبدانها ، ليس لها إمكان الترقّي إلى الكمالات العقلية ، كما للإنسان حيث خلق ضعيفا متهيّأ لقبول الأحكام القدرية ، متحمّلا للتكاليف العقلية والدينية ، معرّضا للآفات والبليّات والرياضات ، مبتلي بالخير والشرّ ، قابلا للنفاء والبقاء والموت والحياة ، ولذلك يقع له الترقّي من أدنى المنازل إلى أعلى المقامات ، ويصعد إلى منتهى السماوات . وأمّا هذه النفوس الجنية فلقوّة مادّتها النارية ، لها فعلية صورة تضادّ لفعلية صور الأنوار السماوية ، ولهذا صارت مزجورة عنها ، مرجومة من معدن النور والرحمة . . . فاعلم أنّ لها وجودا في هذا العالم الحسّ ، ووجودا في عالم الغيب والتمثيل ، وأمّا وجودها في هذا العالم ، فلما مرّ إذ ما من جسم له ضرب من اللطافة والاعتدال إلّا وله روح يناسبه ونفس فائضة عليه من المبدأ الفعّال ، ويحتمل أن يكون سبب ظهور الصورة الخفيّة في بعض الأوقات دون بعض ، أن يكون لها أبدان لطيفة مقتصدة في اللطافة ، قابلة للتخلخل والتكاثف ، فإذا صارت متكاثفة غلظ قوامها فرؤيت ، وإذا صارت متخلخلة رقّ قوامها ولطف جسمها فغابت عن الأبصار ، كالهواء إذا صارت غيما بالتكاثف رؤى ، وإذا عادت إلى لطافتها لم ير ، فإن الغيم ربما يكون بتكاثف الهواء نفسها من دون مدد من بخار البحار وغيرها ، كما تحقّق في موضعه ، وأمّا