كان مقدّرا في علمه تعالى أنّه جاعل في الأرض خليفة ، والعلم بالشيء هو نحو من وجود ذلك الشيء ، ثم نشأت بقدرته تعالى في عالم الأرواح العقلية حينما صارت منفوخا فيها روح اللّه ، ومسجودا لملائكته ، ثم سكنت بأمر اللّه في الجنة وتناولت من ثمارها وأشجارها ثم هبطت بعد ذلك إلى القالب ، وبالقالب إلى هذا العالم .
( تفسق ( 3 ) ، 161 ، 10 )
نفس إنسانية
- إذا كانت النفس الإنسانية مجرّدة ذاتا رماديّة فعلا ، فهي من حيث الفعل من التدبير والتحريك مسبوقة باستعداد البدن مقترنة به . وأمّا من حيث الذات والحقيقة فمنشأ وجودها وجود المبدأ الواهب لا غير فلا يسبقها من تلك الحيثية استعداد البدن ولا يلزمها الاقتران في وجودها به ولا يلحقها شيء من مثالب الماديّات إلّا بالعرض . ( جوم ، 176 ، 7 )
- إنّ للنفس الإنسانيّة مقامات ونشآت ذاتيّة ، بعضها في عالم الأمر والتدبير ،
قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
( الإسراء : 85 ) ، وبعضها في عالم الخلق والتصوير ،
وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ
( الأعراف : 11 ) . فالحدوث والتجدّد إنما يطرءان لبعض نشآتها . فنقول : لمّا كانت للنفس ترقيات وتحوّلات من نشأة أولى إلى نشأة ثانية وإلى ما بعدها ؛ فإذا ترقّت وتحوّلت من عالم الخلق إلى عالم الأمر يصير وجوده وجودا عقليّا إلهيّا لا تحتاج حينئذ إلى البدن وأحواله واستعداده .
فزوال استعداد البدن إيّاها لا يضرّها دواما وبقاء ، إذ ليس وجودها الحدوثي هو وجودها البقائي ، لأنّ ذلك مادّي وهذا مفارق عن المادة فليس حال النفس في أول حدوثها كحالها عند الاستكمال ومصيرها إلى العقل الفعّال ، فهي بالحقيقة جسمانية الحدوث وروحانية البقاء . ومثالها كمثال الطفل وحاجته إلى الرحم أولا ، واستغناؤه عنه أخيرا ، وكمثال الصيد والحاجة في اصطياده إلى الشبكة أولا ، والاستغناء في بقائه عنها أخيرا . ففساد الرحم والشبكة لا تنافي بقاء المولود والصيد ولا يضرّه . ( جمن ، 222 ، 6 )
- إنّ الباري تعالى خلّاق الموجودات المبدعة والكائنة ، وخلق النفس الإنسانية مثالا لذاته وصفاته وأفعاله ، فإنّه تعالى منزّه عن المثل لا عن المثال ، فخلق النفس مثالا له ذاتا وصفاتا وأفعالا ليكون معرفتها مرقاة لمعرفته ، فجعل ذاتها مجرّدة عن الأكوان والأحياز والجهات ، وصيّرها ذات قدرة وعلم وإرادة وحياة وسمع وبصر ، وجعلها ذات مملكة شبيهة بمملكة بارئها ، يخلق ما يشاء ويختار لما يريد ، إلّا أنّها وإن كانت من سنخ الملكوت وعالم القدرة ومعدن العظمة والسطوة ، فهي ضعيفة الوجود والقوام ، لكونها واقعة في مراتب النزول ذات وسائط بينها وبين بارئها . وكثرة الوسائط بين الشيء وينبوع الوجود يوجب وهن قوّته وضعف وجوده .
( سفع ( 1 / 1 ) ، 265 ، 12 )