الأمور بالعقل أشبه ، وسفسافها ونقائصها وأكدارها بالطبيعة أشبه ، فالنفس مجتهدة دائما في طلب البقاء والتمام ، وهما كما علمت ليسا من صفات الطبيعة لتجدّدها ، لكنهما من صفات العقل ، فبهذا الاجتهاد وهذا الشوق إذا وصلت إلى مقام العقل وصلت إلى مرادها ، فتشبّثت به وتخلّت عن الطبيعة وارتحلت عنها ، فإذا ارتحلت عن الطبيعة بطلت الطبيعة ودثرت ، وبدثورها بطل الكون وخرب العالم ، ولما كانت الطبيعة تحسّ بالفناء والاضمحلال ، صارت جذّابة للنفس إليها متروقة في عينها ، حائلة بينها وبين معالي الأمور ، مخافة أن تبطل وتضمحلّ ، وهذا أيضا حكمة ومصلحة من اللّه لأن يسكن النفس إليها ، واشتغلت بها برهة من الزمان لتدبير عالم الطبيعة ، تدبير الرجل زوجته ومنزله .
( مفغ ، 410 ، 10 )
- قد مرّ مرارا أنّ النفس حيث كانت ذا جهتين ، فهي من جهة ذاتها كأنّها جوهر عقلي ثابت بالقوة ، ومن جهة تعلّقها بالطبيعة جوهر متجدّد غير ثابت ، وهاتان الجهتان يشبه أن يكون أحديهما مقوّمة ذاتية للنفس ، والأخرى لاحقة لذاتها ، لكونها إضافة إلى الطبيعة ، لأنّ الأنقص دائما فرع للأكمل ، والقوّة قبل الضعف ، فإذا سقطت عنها هذه الإضافات رجعت إلى منبعها الأصلي وحيّزها العقلي . ( مفغ ، 411 ، 5 )
- النفس في الحقيقة نور من أنوار اللّه المعنوية ، من اللّه مشرقها ، ومغربها إلى هذا القالب المظلم ، وقد حدّها الحكماء حدّا بحسب الاسم ، بأنّها : كمال أول لجسم طبيعي إلى ذي حياة بالقوة ، من جهة ما يدرك الأمور الكلّية ، ويفعل الأفعال الفكرية . ( مفغ ، 514 ، 16 )
- إذا عرفت حدّها ( النفس ) المذكور ، علمت أنّها جوهرة روحانية حيّة بذاتها ، فإذا قارنت جسما من الأجسام صيّرته مثلها ، كالصورة النارية ، فإنّها جوهرة حارّة ، فإذا جاورت جسما من الأجسام صيّرتها حارّا مثلها ، وعلمت أيضا أن للنفس قوّتين :
علّامة وفعّالة . فإمّا الفعّالة فهي بقوّتها العلّامة تنزع رسوم المعلومات من هيولاها وتصوّرها ، كملك الموت ينزع الأرواح من الأجساد ويصعد بها إلى عالم الآخرة ، فيكون ذات جوهرها لتلك الصورة كالهيولى ، وهي فيها كالصورة ، وبقوّتها الفعّالة يخرج الصور التي في فكرها وينقشها في الهيولى الجسمانية كالمادة البدنية لها ، فيكون الجسم عند ذلك مصنوعا لها ، آلة في سائر أفاعيلها . وأمّا العلامة فهي التي تقبل النفس بها صور المعارف والمعقولات مما فوقها ويتعلّمها ، وكل من تعلّم علما فإنّ صورة المعلوم كانت أولا في نفسه بالقوّة ، فإذا تعلّمه صارت فيها بالفعل ، والتعلّم ليس إلّا سلوك الطريق من القوّة إلى الفعل ، والتعليم ليس سوى الدلالة على الطريق ، والأستاذون هم الأدلّة ، وتعليمهم هم الدلالة والهداية إلى الصراط المستقيم ، إلى المطلوب المدلول عليه . ( مفغ ،
موسوعة مصطلحات صدر الدين الشيرازي — صفحة 1081
مساهمون: سميح دغيم
ص١٠٨١