بالتعذية والإنماء ، فإنّ هذا شأن الطبائع والقوى التي هي في درجة القصوى من النزول عن العالم الأعلى . على أن الإيجاد على الإطلاق منه والوسائط مخصّصات لإيجاده وحيثيات وجهات لتكثير إفاداته وإفاضاته ، لأنّ ما هو الأبسط في الوجود فهو الأقرب إلى الموجد الحقيقي . وقد أومأنا إلى أن وجود أمور الآخرة أصفى من التركيب وأعلى من الامتزاج ، فالمقصود من هذه الآيات الاستدلال على قدرته على الإعادة التي هي بالحقيقة إنشاء النشأة الأخرى كما أن الابتداء هو إنشاء النشأة الأولى ، فكما أن في الابتداء فعله الخاص به تعالى ليس بالذات جمع المتفرّقات من المواد ، بل إفاضة الصور على القابل بحسب الاستعداد ، كذلك حقيقة المعاد وفعله اللائق به إنشاء النشأة الأخرى ، وهو أهون عليه من إيجاد المكوّنات في الدنيا ، لأن الآخرة خير وأبقى ، وما هو أبقى في الوجود وأتقن وأحكم في الصنع ، فهو أنسب به تعالى وهو أهون عليه . ( مبع ، 416 ، 16 )
نشأة غيبية
- أمّا عالم الصور الأخروية - وهو النشأة الغيبية - فتختصّ بإدراكها الحواسّ الباطنة والإنسان يقع فيها ويدرك صورها المجرّدة عن المادّة دون المقدار والشكل ، ويستلذّ بها لاشتماله على جوهر العقل العملي والتخيّل بالفعل وبذلك يشارك الجنّ وضربا من الملائكة النفسانية . ( تفسق ( 7 ) ، 43 ، 4 )
نشأة قدسية
- أمّا عالم الصور المفارقة الإلهية والمثل النورية والنشأة القدسية فتختصّ بإدراكها القوّة الروحانية والبصيرة العقلية ، والإنسان يقع فيها ويدرك صورها ببصيرته العقلية وقوّته القدسية ، وهذه القوّة مفقودة في أكثر الناس - بل لا توجد إلّا نادرا - وعالم الدنيا منبع الظلمات ومعدن الآفات ، كما أنّ العالم الثالث محض الأنوار والخيرات المفارقة عن الشرّ بالكلّية . ( تفسق ( 7 ) ، 43 ، 8 )
نشأة المحسوسات
- عالم الدنيا ونشأة المحسوسات تختصّ بإدراك صورها الحسّية الحواس الظاهرة والإنسان يقع فيها ويدرك الصور المادية ويستلذّ بها من حيث اشتماله على الجوهر الحاسّ وبذلك يشارك الحيوانات اللحمية .
( تفسق ( 7 ) ، 42 ، 21 )
نشآت ثلاث
- إنّه قد صحّ عندنا أنّ للإنسان نشآت ثلاث بحسب البداية والنهاية : نشأة الروح ، ونشأة النفس ، ونشأة الطبيعة ، وهذه دار التكليف والاختيار ، ودار الابتلاء والاختبار . ومورد الأمر والنهي التشريعيّين وعليهما مدار الطاعة والعصيان ، والعصمة والخذلان ، والشكر والكفران . وأمّا قبل هذه النشأة فالأمر فيها أمر قضاء وتكوين .