نحو الكمال ، إذ لها في الطبيعة غايات كما برهن عليه وكل ذي غاية في حركاته إذا بلغ غايته وقف عن الحركة وأخذ في حركة أخرى إن بقي له نقصان ينجبر بالحركة إلى أن ينقلب فعلا محضا وعقلا صرفا كما في قوله تعالى :
وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً
( الانشقاق : 9 ) . فكل تعطّل ووقوف عن الحركة في ذوات النفوس بما هي ذوات النفوس بواسطة انتقالها إلى نشأة أخرى فسمّي له في عالم هذه الحركة موتا وفي عالم آخر ولادة وحياة أخروية .
( شهر ، 89 ، 8 )
- إنّ الموت حقّ لأنّه أمر طبيعي منشأه أعراض النفس عن عالم الحواس وإقبالها على اللّه وملكوته ، وليس هو أمرا يعدمك بل يفرّق بينك وبين ما هو غيرك وغير صفاتك اللازمة ، لأنّ القواطع قائمة على أنّ محل الحكمة لا ينعدم كما في الحديث النبوي " خلقتم للبقاء لا للفناء " وفي الحديث أيضا : " الأرض لا تأكل محلّ الإيمان " وفي الكتاب :
أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ
( آل عمران : 169 ، 170 ) . ( شهر ، 281 ، 15 )
- يجب أن يعلم أنّ عروض الموت أمر طبيعي منشأه كما أشرنا إليه حركة النفس من عالم الطبيعة إلى نشأة باقية وأعراضها عن هذا البدن وخروجها عن غبار هذه الهيئات البدنية وإقبالها إلى الدار الآخرة ، وليس الأمر كما زعمه الأطباء وعلماء الطبيعة أنّ سبب عروضه تناهي القوى الطبيعية أو نفاذ الحرارة الغريزية أو زيادة الرطوبة الفضلية أو غير ذلك من تأثيرات الكواكب بحسب حظوظها عند طالع المولود أو ما أشبهها لما بيّن بطلانها في موضعه ، بل سببه قوة تجوهر النفس واشتدادها في الوجود ورجوعها بحركتها الذاتية إلى جاعلها الذي منه بدؤها وإليه منتهاها إمّا مسرورة منعّمة وإمّا معذّبة منكوسة . ( كتع ، 65 ، 5 )
- حقيقة الموت انزجار النفس عن البدن وإعراضها عن عالم الحواس وإقبالها على اللّه وملكوته على التدريج ، حتى إذا بلغت غايتها من الجوهر ومبلغها من الفعليّة والاستقلال في الذات ، ينقطع تعلّقها عن البدن بالكلّية وهذا هو الأجل الطبيعي القضائي ، دون الأجل الاخترامي الذي هو بحسب القواطع الاتّفاقية القدرية وليس الأمر في حقيقة الموت - ما قاله بعض الطبيعيين والأطباء - من أن انقطاع تعلّق النفس من البدن ، لفساد مزاج البدن واختلال البنية . ( مظه ، 135 ، 9 )
- اعلم أنّ الموت يرد على الأوصاف ، لا على الذوات ؛ لأنّه تفريق لا إعدام ورفع ، وأنّ المقابر بعضها عرشية وبعضها فرشية ، لأنّ اللّه سبحانه أبدع بقدرته الكاملة دائرة العرش بعقلها ونفسها ، فجعلها مأوى القلوب والأرواح وأنشأ بحكمته البالغة نقطة العرش وجعلها مسكن الطبائع والأجساد ، ثم أمر بمقتضى قضائه الأزلي وصوره الإسرافيلي لتلك الأرواح والقلوب الفرشية أن تعلّقت بالقوالب والأبدان