العاجل ، ويشقى بنا في الآجل ، لم يحصل لنا شيء من الطرفين إلّا بتلك الأسباب ونقائضها ، وكانت تلك الوسائط أيضا مقدّرة لنا واجبة باختيارنا كما قال - عليه وآله السلام - لمن سأله : هل يغني الدواء والرقية من قدر اللّه ؟ قال : " الدواء والرقية أيضا من قدر اللّه . . . " ولما قال صلى اللّه عليه وآله : " جفّ القلم بما هو كائن " قيل : " ففيم العمل ؟ " . فقال : " اعملوا ، فكل ميسر لما خلق له " ولما سئل :
" أنحن في أمر فرغ منه أو أمر مستأنف ؟ " قال : " في أمر فرغ منه ، وفي أمر مستأنف " . ومن هذا علم إن كل ما يصدر عنّا من الحركات والإرادات والحسنات والسيّئات محفوظة مكتوبة علينا ، واجب صدوره عنّا ، مع كونه باختيارنا .
( تفسق ( 6 ) ، 263 ، 19 )
مقدور
- كل ما هو مقدور ومجعول لفاعل ، فهو من حيث صدوره عن ذلك الفاعل صادر عن الحق تعالى ، كما أنّ وجود كل ممكن من حيث وجوده شأن من شؤون الحق ووجه من وجوهه ، ولذلك نسب الأفعال إليه تعالى من حيث نسب إلى مبادئها المباشرة لها كما في قوله :
قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ
( التوبة : 14 ) وقوله :
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
( الأنفال : 17 ) . ( سري ، 51 ، 17 )
- إنّ إمكان اللاكون وصحّة الترك ليس شرطا لكون الفعل مقدورا عليه أو مرادا وظهر أوضح الظهور : إنّ مدار القادرية على كون المشيئة سببا لصدور الفعل أو الترك . وإنّ القادر هو الذي إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل ، وإن وجبت المشيئة وجوبا ذاتيّا أو غيريّا . وامتنعت اللامشيئة امتناعا ذاتيّا أو غريّا . ومن توهّم : أنّه لابدّ في كون الفاعل قادرا أن يقع منه اللامشيئة وقتا ما أو صحّ وقوعها . أخطأ وخلط ولم يعلم بأنّ الفاعل إنّما يكون فاعلا بالفعل حال صدور الفعل عنه ، وفي تلك الحالة يستحيل أن يصدق عليه أنّه شاء أن يفعل فلم يفعل ، فعلم أنّ صحة وصفه بالفاعلية ليست لأجل صدق هذه الحملية بل لصدق تلك الشرطية ، والواجب ( سبحانه ) يصدق عليه أنّه لو شاء أن لا يفعل فإنّه لا يفعل ، وإن كان ذلك المفروض محالا وتلك الحملية كاذبة ، كما في قولك لو لم يكن الصانع موجودا لم يكن العالم موجودا ، لما بيّنا أنّ مشيئة اللّه عين ذاته ، فإذن كما ليس يضرّ صدق تلك الشرطية عدم وقوع المقدّم فكذا ليس يضرّه عدم إمكان وقوعه فليس لأحد أن يقول : إنّا لا نعتبر في كون الفاعل قادرا مشيئة أن لا يفعل ، بل نعتبر فيه كونه بحيث يمكن في حقّه مشيئة أن لا يفعل ، والفاعل حال كونه فاعلا وإن كذب عليه أنّه شاء أن لا يفعل ، لكنه لا يكذب أنّه من شأنه أن لا يفعل دائما ، وإنّما اعتبرنا هذا القيد حتى يتميّز عن العلل الموجبة . ( سفع ( 3 / 1 ) ، 318 ، 13 )