عمل عملا صالحا ، أو اقترف معصية فحصل من ذلك أثر في نفسه وحدث فيها حال وكيفية نفسانية هي ضرب من الصورة والنقش ، وإذا تكرّرت الأفاعيل وتكثّرت الأقاويل استحكمت الآثار في النفس ، فصارت ملكات بعد ما كانت أحوالا ، و " المقام " في لغة أهل التصوّف هو هذه الملكة ، فيصدر بسببها الأفعال المناسبة لها بسهولة من غير روية . ومن ههنا يتأتّى تعلم الصنائع وتهيّؤ المكاسب العلمية والعملية ، ولو لم يكن هذا التأثّر للنفس والاشتداد به فيها يوما فيوما لم يكن للإنسان تعلّم الحرف والصنائع ، بل يحتاج في كل تراخ وتعطل إلى تجشّم كسب جديد ولم ينجع التأديب والتهذيب في الإنسان ، ولم يكن أيضا في تأديب الأطفال وتمرينهم الأعمال فائدة ، فالآثار الحاصلة من الأفعال والأقوال في القلوب بمنزلة النقوش والكتابة في الألواح
أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ
( المجادلة : 22 ) وتلك الألواح النفسية يقال لها : " صحائف الأعمال " . ( تفسق ( 4 ) ، 30 ، 14 )
مقام الحد
- مقام الحدّ مقام تفصيل المعاني المأخوذة من نفس ذات وملاحظتها فردا فردا ، ومقام المحدود إجمال تلك المعاني ، فالتركيب في الحدّ لا يوجب التركيب في المحدود وإن كان الحدّ والمحدود شيئا واحدا بالذات ، لما علمت من كيفية أخذ المعاني من ذات بسيطة . ( سفع ( 1 / 2 ) ، 28 ، 12 )
مقام الرضا
- إنّ اللّه سبحانه وتعالى بعد ما تبيّن معارف التوحيد الذاتي والصفاتي الأفعالي بوجه شاف كاف متعال ، أراد أن يشير إلى طريق العبودية لهذا المعبود الموصوف بغاية الجمال والجلال ، المنزّه عن المماثل في الكمال والشريك في الأفعال فأشار إلى " مقام الرضا " الذي هو من لوازم المعرفة واليقين والبصيرة التامة في أمر الدين ، وهو أعلى مراتب العابدين قبل حصول الفناء وأجلّ مراتب العارفين الصديقين في هذه الحياة الدنيا حين بقايا الوجود فيهم بعد ، وعدم اندكاك جبل هويّتهم في ملاحظة الهوية الأولى . ( تفسق ( 5 ) ، 192 ، 11 )
مقام العندية
- أمّا طريق التدرّج في مسلك العبودية . . .
وهو الترقّي من الأفعال إلى الصفات ، ومن الصفات إلى الذات ، فكما أنّ طريق الإلهية يقتضي التدرّج النزولي إلى أدنى المراتب
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ
( ق : 16 ) " أنا عند المنكسرة قلوبهم ، أنا عند المندرسة قبورهم " " لو دلّيتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط إلى اللّه " وذلك لأنّ كمال النورية والظهور يوجب كمال القرب والدنو ، ألا ترى أنّه إذا كان في سطح واحد سواد وبياض ترى البياض لوضوحه أقرب ، والسواد لخفائه أبعد ، ففي طريق العبودية يقع التدرّج الصعودي إلى أعلى المراتب ، وهو مقام العندية " لي مع اللّه وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا