المعقول هو بعينه نحو وجود للعاقل لا غير ، كذا محسوسية المحسوس هي وجوده بعينه للجوهر الحسّاس لا غير ، فيلزم من ذلك أن يكون عاقل مثل هذا المعقول غير مبائن الذات عن وجوده ، إذ لو كان للعاقل وجود وللصورة المعقولة التي هي معقولة بالفعل وجود آخر حتى كانا موجودين متغايرين كل منهما منفصل الوجود عن صاحبه كما زعمه الجمهور يلزم أمر محال ، لأنّا إذا نظرنا إلى الصورة العقلية ولاحظناها وقطعنا النظر عن الجوهر العاقل فهل هي في تلك الملاحظة معقولة . كما كانت عليه في ذاتها . أو غير معقولة ؟ فإن لم يكن هي في تلك الملاحظة معقولة فلم يكن نحو وجودها بعينها معقوليتها ، بل كانت معقولة بالقوة لا بالفعل ؛ والمقدّر خلاف هذا ، وهو أن وجودها بعينه معقوليتها ؛ وإن كانت في تلك الملاحظة إيّاها هي التي تكون مع قطع الالتفات إلى ما سواها من الأشياء المغايرة الوجود لها معقولة ، فهي لا محالة في تلك الملاحظة عاقلة أيضا ؛ إذ المعقولية لا ينفكّ عن العاقلية لأنّهما من باب المضاف ، وأحد المضافين لا يوجد معناه بغير معنى صاحبه ، فوجود واحد هو بعينه عاقل ، ومعقول له . فكل صورة مجرّدة عن المادة فهي معقولة وعاقلة معا من غير مغايرة بين المعنيين بحسب الوجود بل بحسب المعنى والمفهوم ، إذ مفهوم العاقلية غير مفهوم المعقولية ، وإلّا لكانا لفظين مترادفين . وأمّا كون وجود واحد مصداقا لمفهومين متغايرين بل لمفهومات كثيرة ، فغير مستنكر ككون ذاته تعالى بذاته مع أحديّته مصداقا لمعاني أسمائه وصفاته من غير شوب كثرة ، فإذن يلزم أنّه إذا كان لعاقل واحد معقولات كثيرة أن يكون وجوده بعينه وجود تلك المعقولات بما هي معقولات بعينها من غير تعدّد وتغاير في الوجود . وعلى هذا القياس حال اتّحاد الجوهر الحسّاس بجميع الصور المحسوسة له ، وحال اتّحاد القوة الخيالية بجميع الصور المتخيّلة . ( رست ، 136 ، 5 )
معلول
- لقد أحسن بعض محقّقي العرفاء من فضلاء فارس حيث قال : " إنّ كل معلول فهو مركّب في طبيعته من جهتين : جهة يشابه الفاعل ويحاكيه ، وجهة بها يباينه وينافيه ، إذ لو كان بكلّه من نحو الفاعل كان نفس الفاعل لا صادرا منه ، فكان نورا محضا ، ولو كان بكلّه من نحو متباين الفاعل استحال أيضا أن يكون صادرا منه فائضا من عنده ، لأن نقيض الشيء لا يكون صادرا عنه ، فكان ظلمة محضة . والجهة النورانيّة تسمّى وجودا ، والجهة الظلمانيّة هي المسمّاة ماهيّة . فالمعلول من العلّة كالظلّ من النور يشابهه من حيث ما فيه من النوريّة ويباينه من حيث ما فيه من شوق الظلمة . فكما أنّ الجهة الظلمانية في الظلّ ليست فائضة من النور ، لأنها تضاد النور وبه تقع المباينة بينهما فكيف يكون منه ؟
فلذلك الجهة المسمّاة ماهيّة في المعلول