الأشياء ويعلم ، لكونه من عالم اللطافة واللباب ، والمحسوس محض الظلمة ، إذ به يمتنع كون الشيء معلوما منكشفا ، لكونه من عالم الكثافة والقشور ، والأول قبل الثاني واعتبر هذا بالمحسوسات فإن الألطف الأنور فيها قبل الأكثف الأكدر ، ألا ترى أنّ رئيس العناصر الذي هو النار ، كيف يسبقها وجودا ويحيط بها مكانا عليّا لنورانيته ولطافته ، وكذا السماء سبقت الأرض كما عرفت لشفافيتها ، ولهذا تقدّم ذكر السماء على ذكر الأرض تأسّيا للوجود اللفظي بالوجود الكوني الطبيعي في جميع المواضع . ( مفغ ، 444 ، 27 )
معقول بالفعل
- إنّ صور الأشياء على قسمين : إحداهما صورة مادية قوام وجودها بالمادة والوضع والمكان وغيرها ، ومثل تلك الصورة لا يمكن أن يكون بحسب هذا الوجود المادي معقولة بالفعل بل ولا محسوسة أيضا كذلك إلّا بالعرض ، والأخرى صورة مجرّدة عن المادة والوضع والمكان تجريدا إمّا تامّا فهي صورة معقولة بالفعل أو ناقصا فهي متخيّلة أو محسوسة بالفعل ، وقد صحّ عند جميع الحكماء إنّ الصورة المعقولة بالفعل وجودها في نفسها ووجودها للعاقل شيء واحد من جهة واحدة بلا اختلاف وكذا المحسوس بما هو محسوس وجود في نفسه ووجوده للجوهر الحاس شيء واحد بلا اختلاف جهة ، فإذا كان الأمر هكذا فلو فرض إنّ المعقول بالفعل أمر وجوده غير وجود العاقل حتى يكونا ذاتين موجودتين متغايرتين لكل منهما هوية مغايرة للأخرى ، ويكون الارتباط بينهما بمجرّد الحالية والمحلية كالسواد والجسم الذي هو محل السواد لكان يلزم حينئذ أن يمكن اعتبار وجود كل منهما مع عزل النظر عن اعتبار صاحبه لأنّ أقلّ مراتب الإثنينية بين شيئين اثنين أن يكون لكل منهما وجود في نفسه وإن قطع النظر عن قرينه لكن الحال في المعقول بالفعل ليس هذا الحال إذ المعقول بالفعل ليس له وجود آخر إلّا هذا الوجود الذي هو بذاته معقول لا بشيء آخر ، وكون الشيء معقولا لا يتصوّر إلّا بكون شيء عاقلا له ؛ فلو كان العاقل أمرا مغايرا له لكان هو في حدّ نفسه مع قطع النظر عن ذلك العاقل غير معقول فلم يكن وجوده هذا الوجود العقلي وهو وجود الصورة العقلية ؛ فإنّ الصورة المعقولة من الشيء المجرّدة عن المادة سواء كان تجرّدها بتجريد مجرّد إيّاها عن المادة أم بحسب الفطرة فهي معقولة بالفعل أبدا سواء عقلها عاقل من خارج أم لا .
( سفع ( 1 / 3 ) ، 314 ، 8 )
- إنّه قد مرّ أنّ النفس إذا عقلت شيئا صارت عين صورته العقلية ، وقد فرغنا من إثباته بالبرهان وحللنا الشكوك فيه . ثم إنّ الصورة العقلية شيء من الأشياء لا يمكن أن يكون من جهة كونها صورة عقلية متعدّدة ، إذ كل أمر واحد نوعي إذا تعدّدت أفراده فهو لا يتعدّد إلّا بعوارض ماديّة ؛ والصورة العقلية بالفعل مجرّدة عن المادة ،