الوجود ، وهو فطري الفساد عند ذوي البصيرة والسداد ، فيكون قدرة اللّه تعالى عامة شاملة لجميع الذرّات ، لأنّ منشأ الافتقار عام فلا تأثير للوسائط ، لأنّ كلها مسخّرات ومعدّات لا موجبات . فهذا هو التوحيد في الأفعال ، إلّا أنّه وقع في البين حجاب يمنع أن يرى هذا التوحيد بعين البصيرة ، وهو أنّ الحوادث التي هي الأفعال الاختيارية للحيوانات - وخصوصا الإنسان - الحكم مطرد فيها ، لأنّها ممكنة ، فكل ممكن لابدّ من استناده إلى واجب الوجود ، كيف وكل حادث - سواء كان فعلنا الاختياري أم لا - إذا نظرنا إلى حدوثه وإمكانه أدّانا النظر اضطرارا إلى وجود الواجب بالذات ، مع أنّا نجد من نفسنا أنّا نتحرّك أن نشاء ، ونسكن أن نشاء فكيف نكون مسخّرين ، والحال أنّ حركاتنا وسكناتنا بأنفسنا لا بغيرنا ؟ فنقول في الكشف عنه : إن حركاتك وسكناتك بمشيئتك ، إلّا أنّ مشيئتك ليست بمشيئتك ، بل بقضاء اللّه وقدره - إذ لو كانت كذلك لافتقرت تلك المشيئة إلى مشيئة أخرى وهكذا إلى غير النهاية - فإذا لم يكن مشيئتك بمشيئتك فهي لازمة لك من أسباب قدريّة مؤدّية إليها ، فإذا لم يكن المشيئة إليك فمهما وجدت المشيئة التي تصرف القدرة إلى مقدورها انصرفت ولا سبيل لها إلى المخالفة وإذا انصرفت لزمت الحركة ضرورة بالقدرة ، والقدرة محرّكة ضرورة عند انجزام المشيئة ، والمشيئة تحدث في القلب بالأسباب الخارجية المشاهدة ، وهي تحدث بالأسباب الغائبة عنّا ، فهذه ضروريات مترتّبة بعضها على بعض ، وليس للعبد أن يدفع وجود المشيئة ، ولا انصراف القدرة إلى المقدور ، ولا وجود بعث المشيئة للقدرة ، فهو مضطرّ في الجميع . ولا يتوهّمن أحد إنّ هذا خلق الأعمال الذي ذهب إليه الأشاعرة القائلين بالجبر المحض من غير اختيار . ( تفسق ( 5 ) ، 212 ، 13 )
مضطرّ في اختياره مجبور في إرادته
- الفاعل عندما يستجمع الجهات التي باعتبارها يكون مؤثّرا في الفعل لا يصدق عليه أنّه من شأنه أن لا يفعل ، بل يكذب عليه ذلك . وأمّا سبيل التمييز بين المختار والموجب فليس كما توهّموه ، بل كما مرّ من مدخلية العلم والمشيئة في الفاعلية والتأثير وعدم مدخليتهما ؛ فهذا نصاب التحصيل والتدقيق وستعلم أنّ ما سوى اللّه من المختارين مضطرّ في اختياره مجبور في إرادته . ( سفع ( 3 / 1 ) ، 320 ، 7 )
مضطرّ في صورة مختار
- السعادة والشقاوة والإنسان المختار : ثم اعلم إنّ كل ما في عالم الملك والملكوت له طباع خاص ، يصدر منه آثار وأفعال مخصوصة ، وكل طبع مسخّر لفعل خاص ، كالنار للتسخين والماء للتبريد ، وله حدّ محدود لا يتجاوزه ، ومقام معلوم لا يتعدّاه من أعلى شواهق عالم الأمر إلى أدنى منازل عالم الخلق ، إلّا الإنسان فإنّه مسخّر للاختيار ، فالاختيار له بمنزلة الفعل