تنازع ولا سعة في سعادات الدنيا ، ولذلك لا تنفكّ عن ضيق التزاحم . . . والوظيفة الثانية أن يقتدى بصاحب الشرع صلوات اللّه وسلامه عليه فلا يطلب على إفاضة العلم أجرا ولا يقصد جزاء ولا شكورا بل يعلّم للتقرّب إلى اللّه تعالى . . . ولا يمنّ أيضا على تلامذته وإن كانت المنّة لازمة له عليهم ، لكن المتعلّم يتقبّل المنّة ويلتزم الحق أكثر مما يلتزمه لأبويه . والمعلم لا يمنّ بل يشكر اللّه تعالى ، إذ هدف قلوبهم لتعليمه ولزراعة العلم فيه حتى يتوصّل بواسطتهم إلى ثواب الآخرة . فأما إذا اعتاض عن التعليم خدمة أو موالاة أو دنيا فقد أحبط عمله ، فإن المال وما في الدنيا خادم للبدن ، إذ لأجله خلق والبدن خادم القلب والقلب يراد للعلم إذ به شرفه ، فمن طلب بالعلم المال فقد طلب الأخسّ بالأشرف . . . الوظيفة الثالثة أن لا يدّخر من نصح المتعلّم شيئا وذلك بأن يمنعه من التصدّي لرتبة قبل استحقاقها والتشاغل بعلم خفي قبل الفراغ من الجلي ، ثم ينبّهه على أن المطلب من العلم القرب من اللّه تعالى فلا ينبغي أن يقصد سواه فإن علم أنه يقصد بتعلمه الدنيا نظر ، فإن كان يتعلّم العلم النافع المنذر المخوف المستفاد من التفسير والأخبار فلا يمنعه منه ، فإنه إما أن يصلحه ذلك العلم ويردّه إلى اللّه تعالى أو يشمّر للوعظ والإنذار طلبا للجاه والقبول فيصلح به جمع من الناس ، وإن هلك في نفسه وكان حب القبول والجاه كالحب في الفخ يقتنص به الطير ، وقد فعل اللّه تعالى ذلك بعباده إذ خلق الشهوة ليتسارع الخلق بها إلى أسباب النسل ، وخلق أيضا حب الرياسة ليكون سببا لإحياء العلوم . فلولا حب الرياسة لاندرست العلوم وللّه تعالى تحت كل شر سرّ وفي طيّه خير يتّصل به يغفل عنه ولأجله قدر الخير والشر جميعا . فأما إن كان يطلب الخلاف والجدال أو مجرّد التفريعات الغريبة فلا يزداد المتجرّد لها مع الأعراض عن غيرها إلا قسوة في القلب وغفلة عن اللّه تعالى وجرأة على الدنيا وتماديا في الحرص ، إلا من تداركه اللّه برحمته ومزج به علما آخر من العلوم النافعة المنذرة ، ولا برهان على هذا كالتجربة والمشاهدة . فإن قلت على الجملة يحصل به إحياء علم لا بدّ من إحيائه فقد صدقت فهذا خير ، ولكن إذا كان هذا الإحياء حاصلا بغيره فما يفسده هذا من تحريك رغبة الدنيا في الجهال أكثر مما يصلحه من الفتاوي التي لا يجوز الثقة به فيها . . . الوظيفة الرابعة أن يزجره عن سوء الأخلاق بالتعريض لا بصريح النهي وبطريق اللطف والنصح لا بطريق التوبيخ ، فإن التصريح يهتك حجاب الهيبة وربما يحرص الطبع على ما نهى عنه صريحا . . . الوظيفة الخامسة إن المتكفّل ببعض العلوم لا ينبغي أن يقبّح في عين المتعلّم ما عداه ، فالعالم بالفقه يزجر عن علم الحديث ويقول محض النق والتقليد وليس فيه تحقيق ، وكالمتكلّم يزجر عن الفقه ويقول ذلك ظنّ وتخمين لا برهان
موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي — صفحة 866
مساهمون: رفيق العجم
ص٨٦٦