حقّ من وجه باطل من وجه . فهو من حيث ذاته لا وجود له ، فهو باطل . وهو من جهة غيره مستفيد الوجود ، فهو من هذا الوجه الذي يلي مفيد الوجود موجود . فهو من ذلك الوجه حقّ ، ومن جهة نفسه باطل . فلذلك قال تعالى :
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
( القصص : 88 ) . وهو كذلك أزلا وأبدا ، ليس ذلك في حال دون حال ، لأنّ كلّ شيء سواه ، أزلا وأبدا ، من حيث ذاته ، لا يستحقّ الوجود ، ومن جهته يستحقّ ، فهو باطل بذاته ، حقّ بغيره .
وعند هذا تعرف أنّ الحقّ المطلق هو الموجود الحقيقي بذاته ، الذي منه يأخذ كلّ حقّ حقيقته . وقد يقال أيضا للمعقول الذي صادف به العقل الموجود حتّى طابقه أنّه حقّ . فهو من حيث ذاته يسمّى موجودا ، ومن حيث إضافته إلى العقل الذي أدركه على ما هو عليه يسمّى حقّا .
فإذا ، أحقّ الموجودات بأن يكون حقّا هو اللّه تعالى ، وأحقّ المعارف بأن تكون حقّا هي معرفة اللّه ، عزّ وجلّ ، فإنّه حقّ في نفسه ، أي مطابق للمعلوم أزلا وأبدا .
ومطابقته لذاته لا لغيره ، لا كالعلم بوجود غيره ، فإنّه لا يكون إلّا ما دام ذلك الغير موجودا ، فإذا عدم عاد ذلك الاعتقاد باطلا . وذلك الاعتقاد أيضا لا يكون حقّا لذات المعتقد ، لأنّه ليس موجودا لذاته ، بل هو موجود لغيره . ( مص ، 137 ، 9 )
ممكن
- الإمكان مستمرّ أبدا ، والقدرة واسعة لجميع ذلك ؛ وبرهان هذه الدعوى وهو عموم تعلّق القدرة ، أنّه قد ظهر أنّ صانع العالم واحد . فإمّا أن يكون له بإزاء كل مقدور قدرة ، والمقدورات لا نهاية لها ، فيثبت قدر متعدّدة ، لا نهاية لها وهو محال ، لما سبق في إبطال دورات لا نهاية لها . وإمّا أن تكون القدرة واحدة ، فيكون تعلّقها مع إتحادها بما يتعلّق به من الجواهر ، والأعراض مع اختلافها ، لأمر تشترك فيه ، ولا يشترك في أمر سوى الإمكان ؛ فيلزم منه أنّ كلّ ممكن ، فهو مقدور لا محالة ، وواقع بالقدرة . ( ق ، 82 ، 9 )
- إنّ العالم مثلا ، يصدّق عليه أنّه واجب ، وأنّه محال ، وأنّه ممكن . أمّا كونه واجبا ، فمن حيث أنّه إذا فرضت إرادة القديم موجودة ، وجودا واجبا ، كان المراد أيضا واجبا بالضرورة ، لا جائزا ، إذ يستحيل عدم المراد مع تحقّق الإرادة القديمة . وأمّا كونه محالا ، فهو أنّه لو قدّر عدم تعلّق الإرادة بإيجاده ، فيكون لا محالة حدوثه محالا ، إذ يؤدّي إلى حدوث حادث بلا سبب ، وقد عرف أنّه محال . وأمّا كونه ممكنا فهو بأن ينظر إلى ذاته فقط ، ولا يعتبر معه لا وجود الإرادة ، ولا عدمها ، فيكون له وصف الإمكان فإذا الاعتبارات ثلاثة : الأول أن يشترط فيه وجود الإرادة ، وتعلّقها فهو بهذا الاعتبار واجب . الثاني أن يعتبر فقد الإرادة ، فهو بهذا الاعتبار محال . الثالث أن يقطع الالتفات إلى الإرادة ، والسبب ، فلا يعتبر وجوده ، ولا