لا يمكن أن يكون وجوده بغيره . فهو واحد من جهة الفردانية ، لأن ماهيته له فقط ؛ ولا مشارك له في النوع ؛ ولأنه أيضا تامّ الذات من كل وجه ، فلا نقصان فيه يكثّر وحدانيّته . وهو حقّ ، وهو عقل محض ، لأنه ماهيّته مجرّدة عن المادّة ، ولأنه صورة نظام الكل ، أي مبدأ حكيم ؛ وأنه ليس يعقل الأشياء لأنها موجودة ؛ بل توجد الأشياء لأنه يعقلها ؛ وأنه ليس يعقلها على أنها معقولاته بالقصد الأول ، فتكثر ذاته ؛ بل هو واحد يعقل بالقصد الأول ذاته الحق ، فيكون عقل بالقصد الثاني ما ذاته مبدأ له ، وذلك لأنه يعقل ذاته مبدأ لكل وجود ، فيعقل كل وجود .
وأنه منزّه عن تعقّل الفاسدات ، وعن تعقّل الأعدام ، كالشرّ والنقص ، فإن متعقّل العدم ومدرك العدم إنما يتعقّله إذا كان بالقوّة ، فإن البصير إنما يرى الظلمة إذا كان بصيرا بالقوّة ، لا بالفعل ، وبيّن أنه خير محض ، لأنه وجود صرف . ومعطى كل وجود ، لا لعوض ، بل للجود ، فإن كل عوض فهو جزاء ومنفعة لكل فعل ، وما فعل للجزاء فليس فعله جودا محضا ، بل أخذا وإعطاء ، والجود المحض هو الفعل الكائن لا لعوض ، وكل طالب عوض منتفع ناقص ، فالأول يعطي الوجود للجود ، ولأنه خير محض ، ولأن وجوده وجود يفضل على ذاته . فليس إنما يجب منه وجود ذاته ، بل كل وجود ، لكمال منزلته في الوجود . وليس إنما يعطي الوجود بأنه هو إنما هو هو لإعطاء الوجود ، حتى يكون إعطاء الوجود علّة لوجوده وكمالا وسببا تماميّا ؛ كلا ، فإنه لا سبب له من وجه ، على ما أوضحنا . ولا أيضا وجود الموجودات عنه على نحو خال عن الإرادة ، فتكون تابعة لوجوده من غير أن تكون هناك إرادة وجود ؛ وهذا محال ، لأنه يعقل ذاته مبدأ للكل ، وإلّا فذاته غير معقولة على ما هي عليه . فإذا يعقل أن الكل كائن عنه ، ويعقل عنه أنه مبدأ كل خير ، وأن إعطاء الوجود خير ، فهو لا محالة راض بوجود يوجد الكل عنه ، مريد له . فلو أنه كان يلزم عنه الكل لا من الجهة التي يعقل الكل ويرضى به - حتى يكون مثلا كواحدنا ، إذا وقع منه الظلّ على مريض من غير إرادة منفعة ودفع عنه ضرر الشمس ، رضي بذلك ؛ والراضي منه نفس ، والمظلّ جسمه - لكان منقسما .
بل الحقّ أمر بين الأمرين ، وهو أن الكل يلزمه مع رضاه وإرادته لوجود الكل منه تبعا عنه . فلا وجوده لأجل ما يوجد عنه ، ولا وجود الكل عنه على سبيل التبع الذي لا إرادة فيه البتّة ، وقد قلنا : إن إرادته تعقّله الخير الكائن عنه على نظامه فقط ، لا قصد كقصدنا . ولأن الأول يعقل ذاته خيرا محضا فهو متعشّق ذاته وملتذّ بذاته ، لا على سبيل لذّتنا الانفعالية ، بل لذّة فعليّة هي جوهر الخير المحض ، وهذه حياته الحقيقية . وبان أن قدرته وحياته وعلمه واحد ؛ وإذا كانت له إضافات إلى الموجودات الكائنة عنه فليست مقوّمة لذاته ، بل تابعة له . ( ممع ، 31 ، 21 )
موسوعة مصطلحات ابن سينا ( الشيخ الرئيس ) — صفحة 1283
مساهمون: جيرار جهامي
ص١٢٨٣