- إن الواجب الوجود مبدأ لجميع الموجودات بأسرها ، وإنه تعالى مقدّس عن الشوائب لتجرّد ذاته فلا يدخل تحت جنس وفصل ، ولا يقع تحت حدّ وبرهان ، ولا بحيث يدخل في وهم وعقل ، فهو بريّ من الكمّ والكيف والأين والوضع والمتى والإضافة والحركة ، وإنه لا ندّ له ولا ضدّ له ولا شريك له ولا تركيب في ذاته ولا يتعلّق بوجه . وإنه واحد لا ينقسم بالفعل ولا بالفرض الوهمي ولا العقلي ، فهو أحدي الذات لا يشاركه في وجوده شيء .
فهو تام الوجود فرد ، وليس وحدته كالوحدات التي سبق التعريف بها بل على وجه سلبي . فهو صمد قيّوم ، وإنه عالم بالأشياء محيط بكلّياتها وجزئياتها لا يغرب عن علمه شيء ، فإن علمه سبب وجود الأشياء لا وجودها سبب علمها . وقد علمت أيضا مما قدّمته من الأصول الطبيعيّة أن المبدأ للحركة الأولى قوة غير متناهية ولا جسمانيّة ، وأن تلك الحركة مستديرة والحركة المستديرة لا يكون تكوّنها تكوّنا زمانيّا ، وتبيّن لك من ثمّ أن مبدأ دائم الوجود . وقد تبيّن هنا أن واجب الوجود بذاته واجب الوجود من جميع جهاته ، وإنه لا يجوز عليه تجدّد حالة ولا تغيّر بوجه ، وإنه علّة للكلّ بذاته فذاته موجبة للمعلول فبدوامها يجب دوامه وببقائها يجب بقاؤه . ( كنف ، 33 ، 3 )
- إن الواجب الوجود هو الموجود الذي متى فرض غير موجود عرض منه محال ؛ وإن الممكن الوجود هو الذي متى فرض غير موجود أو موجودا لم يعرض منه محال .
فالواجب الوجود هو الضروري ، والممكن الوجود هو الذي لا ضرورة فيه بوجه ، أي لا في وجوده ولا في عدمه . وهذا هو الذي نعنيه في هذا الموضع بممكن الوجود . وإن كان قد يعنى بممكن الوجود ما هو في القوّة ، ويقال الممكن على كل صحيح الوجود ، وفد فصّل ذلك في المنطق . ثم إن الواجب الوجود قد يكون بذاته وقد يكون لا بذاته ؛ والذي هو واجب الوجود بذاته فهو الذي لذاته ، لا لشيء آخر ، أي شيء كان ، صار محالا فرض عدمه ؛ وإن الواجب الوجود لا بذاته هو الذي لوضع شيء ما ليس هو ، صار واجب الوجود ؛ مثل أن الأربعة واجبة الوجود لا بذاتها ؛ ولكن عند فرض اثنين واثنين ؛ والاحتراق والإحراق واجب الوجود لا بذاته ، ولكن عند فرض التقاء القوّة الفاعلة بالطبع والقوّة المنفعلة بالطبع ، أعني المحرقة والمحترقة . ( ممع ، 2 ، 5 )
- إن واجب الوجود لا يجوز أن يكون لذاته مباد تجتمع فيتقوّم بها واجب الوجود ، لا أجزاء كمّية ولا أجزاء حدّ وقول ، سواء كانت كالمادة والصورة أو كانت على وجه آخر ، بأن يكون أجزاء القول الشارح لمعنى اسمه يدلّ كل واحد منهما على شيء هو في الوجود غير الآخر بذاته .
وذلك لأن كل ما هذه صفته فذات كل جزء منه ليس هو ذات الآخر ولا ذات المجتمع ، فإمّا أن يصحّ لكل واحد منهما
موسوعة مصطلحات ابن سينا ( الشيخ الرئيس ) — صفحة 1279
مساهمون: جيرار جهامي
ص١٢٧٩