مثل أحوال محسوسة تظنّ أنها من حقيقة الأشياء فيها ، ولا تكون كذلك ، بل النفس الناطقة تنزّهها عن تلك القشور وتجرّدها عن اللواحق الغريبة ، وتتصرّف فيها تصرّفا أفضل من تصرّف العلل القريبة التي هي بحسب ما ذكرها هنا للأجرام السماوية .
وذلك أن العلل القريبة ألصقت الصور بمواد ولواحق للمواد ، لكنه يجب أن تعلم أن نصيب الأجرام السماوية الإعداد والتهيئة والتدريج ؛ وكما أن الصور النوعية فائضة من المبادئ الغير الجسمانية ، إلّا أنه إنما ذكر الأجرام السماوية لأنها هي التي تلحق بتلك الصورة فيما يحصلها من تأثير القشور المادية . وأما المبادئ الغير الجسمانية فإنما تفيض منها الصور على قياس ما هي فيها ، لكن إذا اتّصلت بالمثل السماوي خالطت قرائن لم يكن منها بدّ ، وقد تتأدّى إليها الأفعال والانفعالات المتّصلة بين الأمور السماوية والأرضية حين صار لكل شيء منها نصيب بحسبه .
( شكث ، 40 ، 3 )
- أقول ( ابن سينا ) : إن النفس لصقت بالبدن ليكون لها الزينة التي تختصّ بالأمور العقلية ، وهو الزينة العقلية ، وليكون لها إمكان اتّصال بالجواهر العالية التي لها اللذّة الحقيقية والجمال الحقيقي والبهاء الحقيقي ، فسبيل النفس أن تجعل البدن والآلات البدنية مكاسب يكتسب بها الكمال الخاص بها فقط . ومن المعلوم أن اشتغال النفس بالجانب الأدنى يصدّه عن الجانب الأعلى ، كما أن إقباله على الجانب الأعلى يصدّه عن الجانب الأسفل ؛ فإن النفس ليست مخالطة للبدن حتى يكون البدن بالمخالطة يصدّها عن الكمال العلوي إذا لم يقع استعمالها على الوجه الذي ينبغي ، بل بهيئة تعرض للنفس من الإقبال . فإذا صارت النفس بدنية وتمكّنت فيها هيئات انقيادية للأمور البدنية من الشهوة والغضب وغير ذلك بل صارت هذه الهيئات ملكات فيها ، كانت النفس بعد البدن على الجملة التي كانت في البدن ، فتكون مصدودة عن العالم العلوي :
ويعني بالأوساخ زوائد رديئة رذيلة غير طبيعية ولا مناسبة تلزم الشيء الذي هو بالقياس إليها نقي . فإذا فارقت النفس البدن وهيأتها إستعلائية ، بقيت متّصلة بالعالم الأعلى ، لابسة الجمال الأبهى ، منقطعة عن العالم الذي كانت فيه .
( شكث ، 41 ، 10 )
- إن النفس إذا اشتغلت بشيء انصرفت عن غيره وحجبت عنه ، وإن كانت الفكرة عنه قد تنهج سبيلا إلى كثير من إدراك معنى الربوبية . ( شكث ، 44 ، 3 )
- إن النفس في حدّ قبليتها لا يجوز أن يكون لها إدراك جزئي معيّن ، فلا يكون لها شوق جزئي معيّن ، بل يكون نوع من الشوق كلّي . وإن كان إلى جزئي كالشوق إلى الغذاء مثلا حتى يتعيّن بسبب غير الشوق ، فلا يكون إذا الشعور بالبدن بحسب ذلك التقدّم شعورا جزئيّا . كذلك لا يكون بذكر البدن لو بقي بعده ذكرا وهميّا بل عقليّا غير مخصّص . وهذا الضرب من الإدراك - وإن
موسوعة مصطلحات ابن سينا ( الشيخ الرئيس ) — صفحة 1219
مساهمون: جيرار جهامي
ص١٢١٩