غرض ما هو فوقه ، وأيضا كذلك للثالث غرض ما هو فوقه إلى أن تنتهي إلى التي ليس بينها وبين الأول واسطة أصلا . فعلى هذا الترتيب تكون الموجودات كلها تقتفي غرض السبب الأول . فالتي أعطيت كلّ ما به وجودها من أول الأمر فقد احتذى بها من أول أمرها حذو الأول ومقصده ، فعادت وصارت في المراتب العالية . وأما التي لم تعط من أول الأمر كل ما به وجودها ، فقد أعطيت قوة تتحرّك بها نحو ذلك الذي تتوقّع نيله ، وتقتفي في ذلك ما هو غرض الأول . وكذلك ينبغي أن تكون المدينة الفاضلة : فإنّ أجزاءها كلها ينبغي أن تحتذي بأفعالها حذو مقصد رئيسها الأول على الترتيب . ( كأر ، 101 ، 9 )
- المدينة الفاضلة تضاد المدينة الجاهلية والمدينة الفاسقة والمدينة المتبدّلة والمدينة الضالّة . ( كأر ، 109 ، 3 )
- الناس الذين يدبّرون برئاسة هذا الرئيس هم الناس الفاضلون والأخيار والسعداء .
فإن كانوا أمّة فتلك هي الأمّة الفاضلة .
وإن كانوا أناسا مجتمعين في مسكن واحد كان ذلك المسكن الذي يجمع جميع من تحت هذه الرئاسة هو المدينة الفاضلة .
وإن لم يكونوا مجتمعين في مسكن واحد بل في مساكن متفرّقة يدبّر أهلها برئاسات أخر غير هذه كانوا أناسا أفاضل غرباء في تلك المساكن . ويعرض تفرّقهم إمّا لأنّهم لم تتّفق لهم بعد مدينة يمكنهم أن يجتمعوا فيها أو أن يكونوا قد كانوا في مدينة ولكن عرضت لهم آفات من عدوّ أو وباء أو جدب أو غير ذلك فاضطرّوا إلى التفرّق .
فإذا اتّفق أن كان من هؤلاء الملوك في وقت واحد جماعة إمّا في مدينة واحدة أو أمّة واحدة أو في أمم كثيرة فإنّ جماعتهم جميعا تكون كملك واحد لاتّفاق هممهم وأغراضهم وإرادتهم وسيرهم . وإذا توالوا في الأزمان واحدا بعد آخر ، فإنّ نفوسهم تكون كنفس واحدة ، ويكون الثاني على سيرة الأوّل والغابر على سيرة الماضي .
وكما أنّه يجوز للواحد منهم أن يغيّر شريعة قد شرّعها هو في وقت إذا رأى الأصلح تغييرها في وقت آخر ، كذلك الغابر الذي يخلف الماضي له أن يغيّر ما قد شرعه الماضي ، لأنّ الماضي نفسه لو كان مشاهدا للحال لغيّر . ومتى لم يتّفق إنسان بهذه الحال ، أخذت الشرائع التي دبّرها أو رسمها أولئك فكتبت وحفظت ودبّرت بها المدينة . فيكون الرئيس الذي يدبّر المدينة بالشرائع المكتوبة المأخوذة عن الأئمة الماضين ملك السنّة . ( كسي ، 80 ، 7 )
- إنّ الرئاسة التي بها تمكّن فيها تلك السير والملكات وتحفظها عليهم ليس يمكن أن تكون إلّا بمهنة وصناعة وملكة وقوّة تكون عنها الأفعال التي بها تمكّن فيهم وتحفظ عليهم . وهذه المهنة هي مهنة الملك والمهنة الملكيّة أو ما شاء الإنسان أن يسمّيها بدل اسم الملك . والسياسة هي فعل هذه المهنة ، وذلك أن تفعل الأفعال التي بها تمكّن تلك السير وتلك الملكات في المدينة والأمّة وتحفظ عليهم . وإنّما تلتئم هذه المهنة بمعرفة جميع الأفعال التي
موسوعة مصطلحات الكندي والفارابي — صفحة الفارابي 558
مساهمون: جيرار جهامي
صالفارابي ٥٥٨