المدن الأخر التي سلفت . وكثير من الناس يسمّي هذه المدن مدينة التغلّب . وأحراها بهذا الاسم من أراد جميع هذه الثلاث بالقهر . وتكون هذه المدن على ثلاثة أنحاء : وذلك إمّا بواحد من أهلها وإمّا بنصف أهلها وإمّا بأهلها كلّهم . فهؤلاء إنّما يقصدون القهر والنكال ليس لذاته ولكن قصدهم وغرضهم شيء آخر .
( كسي ، 96 ، 17 )
مدينة جاهليّة
- المدينة الجاهليّة هي التي لم يعرف أهلها السعادة ولا خطرت ببالهم . إن ارشدوا إليها فلم يقيموها ولم يعتقدوها ، وإنما عرفوا من الخيرات بعض هذه التي هي مظنونة في الظاهر أنّها خيرات من التي تظنّ أنّها هي الغايات في الحياة ، وهي سلامة الأبدان واليسار والتمتّع باللذّات ، وأن يكون مخلّى هواه ، وأن يكون مكرّما ومعظّما . فكل واحد من هذه سعادة عند أهل الجاهليّة . والسعادة العظمى الكاملة هي اجتماع هذه كلّها . وأضدادها هي الشقاء ، وهي آفات الأبدان والفقر وأن لا يتمتّع باللذّات ، وأن لا يكون مخلّى هواه وأن لا يكون مكرّما . ( كأر ، 109 ، 5 )
- الرئاسة والمهنة الملكيّة والسياسة التي ليس يقصد بها أن ينال السعادة القصوى التي هي السعادة في الحقيقة بل كان يقصد بها أن يحصّل خيرا من الخيرات التي في هذه الحياة الدنيا خاصّة - وهي التي يظنّها الجمهور خيرات - فإنّها ليست فاضلة ، بل تسمّى رئاسة جاهليّة وسياسة جاهليّة ومهنة جاهليّة ، بل لا تسمّى ملكا ، لأنّ الملك عند القدماء ما كان بمهنة ملكيّة فاضلة .
والمدينة أو الأمّة المنقادة لما تمكّن فيها الرئاسة الجاهليّة من الأفعال والملكات تسمّى المدينة أو الأمّة الجاهليّة ، والإنسان الذي هو جزء من هذه المدينة يسمّى إنسان جاهليّ . وتنقسم هذه الرئاسة والمدن والأمم أقساما كثيرة . ويسمّى كلّ واحد منها باسم غرضها الذي تقصده من الخيارت المظنونة . ( كمل ، 55 ، 12 )
مدينة جماعيّة
- المدينة الجماعيّة ، هي التي قصد أهلها أن يكونوا أحرارا ، يعمل كل واحد منهم ما شاء ، لا يمنع هواه في شيء أصلا . ( كأر ، 110 ، 15 )
- أمّا ( المدينة ) الجماعيّة فذات همم كثيرة :
قد اجتمع فيها همم جميع المدن . فالغلبة والمدافعة التي تضطرّ إليها المدن المسالمة ، إمّأ أن تكون في جماعتهم ، وإمّا أن تكون في طائفة بعينيها ، حتى يكون أهل المدينة طائفتين : طائفة فيها القوة على المغالبة والمدافعة ، وطائفة ليس فيها ذلك . فبهذه الأشياء يستديمون الخيرات التي هي لهم . وهذه الطائفة ، من أهل الجاهليّة ، هي سليمة النفوس ، وتلك الأولى رديئة النفوس لأنّها ترى المغالبة هي الخير ، وذلك بوجهين : مجاهدة ومخاتلة . فمن قدر منهم على المجاهدة فعل ذلك ، وإن لم يقدر فبالدغل والغش