ذلك ومن تحت رئاسته لا يشعرون بذاك ، فإنّ أهل رئاسته يعتقدون فيه ويظنّون به الفضيلة والحكمة ، ويكون ملتمسه بما يرسمه إمّا في الظاهر فأن ينال هو وهم السعادة القصوى وإمّا في الباطن فأن ينال بهم أحد الخيرات الجاهليّة . ( كمل ، 43 ، 6 )
- إنّ الرئيس الأوّل الفاضل إنّما تكون مهنته ملكيّة مقرونة بوحي من اللّه إليه . وإنّما يقدّر الأفعال والآراء التي في الملّة الفاضلة بالوحي ، وذلك بأحد وجهين أو بكليهما : أحدهما أن توحى إليه هذه كلّها مقدّرة ، والثاني أن يقدّرها هو بالقوّة التي استفادها هو عن الوحي والموحي تعالى حتّى تكشّفت له بها الشرائط التي بها يقدّر الآراء والأفعال الفاضلة ، أو يكون بعضها بالوجه الأوّل وبعضها بالوجه الثاني . وقد تبيّن في العلم النظريّ كيف يكون وحي اللّه تعالى إلى الإنسان الذي يوحى إليه وكيف تحصل في الإنسان القوّة عن الوحي والموحي . ( كمل ، 44 ، 6 )
- الرئيس الأوّل قد يلحقه ويعرض له أن لا يقدّر الأفعال كلّها ويستوفيها فيقدّر أكثرها ، وقد يلحقه في بعض ما يقدّره أن لا يستوفي شرائطها كلّها بل يمكن أن تبقى أفعال كثيرة ممّا سبيلها أن تقدّر فلا يقدّرها لأسباب تعرض : إمّا لأنّ المنيّة تخترمه وتعاجله قبل أن يأتي على جميعها وإمّا لأشغال ضروريّة تعوقه من حروب وغيرها وإمّا لأنّه لا يقدّر الأفعال إلّا عند حادث حادث وعارض عارض ممّا يشاهده هو أو ممّا يسال عنه ، فيقدّر حينئذ ويشرّع ويسنّ ما ينبغي أن يعمل في ذاك النوع من الحوادث ، فلا تعرض كلّ العوارض في زمانه ولا في البلد الذي هو فيه ، فتبقى أشياء كثيرة ممّا يجوز أن يعرض في غير زمانه أو في غير بلده يحتاج فيها إلى فعل محدود مقدّر في ذلك الشيء العارض فلا يكون هو شرّع فيها شيئا ؛ أو يعمد إلى ما يظنّ أو يعلم أنّها من الأفعال أصول تمكّن غيره أن يستخرج عنها الباقية فيشرّع فيها كيف وكم ينبغي أن تعمل ويترك الباقية علما منه أنّه يمكن أن يستخرجها غيره إذا قصد قصده واحتذى حذوه ؛ أو يرى أن يبتدئ في أن يشرّع ويقدّر الأفعال التي هي أعظم قوّة وأكثر نفعا وأشدّ غنى وجدوى في أن تلتئم بها المدينة وترتبط وينتظم أمرها ، فيشرّع في تلك وحدها ويترك الباقية إمّا لوقت فراغه لها أو لأنّ غيره يمكنه أن يستخرجها ، إمّا في زمانه وإمّا بعده ، إذا احتذى حذوه . ( كمل ، 48 ، 6 )
- الرئاسة الفاضلة ضربان : رئاسة أولى ورئاسة تابعة للأولى . فالرئاسة الأولى هي التي تمكّن في المدينة أو الأمّة السير والملكات الفاضلة أوّلا من غير أن تكون تلك فيهم قبل ذلك وتنقلهم مع ذلك عن السير الجاهليّة إلى السير الفاضلة . فالذي يقوم بهذه الرئاسة هو الرئيس الأوّل .
والرئاسة التابعة للأولى هي التي تقتفي في أفعالها حذو الرئاسة الأولى . والقائم بهذه الرئاسة يسمّى رئيس السنّة وملك السنّة ورئاسته هي الرئاسة السنّيّة . والمهنة
موسوعة مصطلحات الكندي والفارابي — صفحة الفارابي 261
مساهمون: جيرار جهامي
صالفارابي ٢٦١