تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة مصطلحات الكندي والفارابي — صفحة الفارابي 243

مساهمون:

صالفارابي ٢٤٣
أولا إناء مقعّرا متساوية أجزاء سمكه فأكبّوه في سطح ماء في إناء كبّا مستويا ، ثم غمسوه في تلك الجهة إلى أن بلغت أطراف سمك الإناء المكبوب قعر الإناء الذي فيه الماء ، ثم ردّوه إلى سطح الماء وأخذوه ونظروا في جوف الإناء المكبوب فإذا هو لم يصيد من الماء شيئا . فدلّهم ذلك على أنّ مقعّر الإناء المكبوب كان مملوء هواء ، وأنّه لم يكن فيه موضع فارغ من جسم فيدخل مكانه ماء وأنّ الهواء الذي كان في الإناء لما عرض الإناء دفع الماء الذي كان ملاقيه فاندفع الماء إلى الجوانب وانخرق له فغاص فيه بمنزلة ما ينخرق الماء بجسم صلب إذا غمس فيه ، فاستدلّوا بذلك على أنّ الهواء ذو قوّة وأنّ الإناء مملوء هواء ليس منه خلاء أصلا . ثم عمدوا بعد ذلك إلى آنية من زجاج واسعة الجوف مستطيلة ضيّقة الرأس أو معا فارغا من أمياه الورد فأكبوه على الماء وكانت الحال فيها كالحال في الإناء الأول ، فبيّنوا لذلك أنّ الآنية مملوءة هواء . ثم أخذوها وامتصّوا رأسها ثم شدوه بعد أن امتصّوه من قبل أن ينحّوه عن أفواههم بأصابعهم من رأسها ثم أكبّوها في الماء وفتحوها والماء يدخل جوف الآنية بجذب أو بدفع فدلّوا بذلك على أنّهم حيث امتصّوا رأس الآنية أخرجوا من جوفها من الهواء بقدر ما شغل مكانه الماء الذي سال بعد ذلك إلى جوف الآنية بالمصّ شيئا أصلا وأنّه لو خلفه جسم لكان يشغل مكان ذلك الهواء لما كان الماء ليعبر إلى جوفها ولكانت حالتها إذا أكبّت على الماء بعد المصّ كحالتها قبل أن تمصّ إذ كان جوفها مملوءا في الوقتين جميعا . وكان في ذلك دليل عندهم على أنّ المكان الذي كان يشغله الهواء الذي خرج بقي فارغا لا شيء فيه إلى أن يشغله الماء الذي سال إليه والمكان الفارغ الذي لا شيء فيه أصلا هو الخلاء . فهذا هو الذي دلّ به هؤلاء على وجود الخلاء . ونقول نحن إنّ الذي ذكروه وكذلك ما ظنّوا أنّه لازم عمّا يحسبونه فالأمر به بالحقيقة كما ظنّوه ، غير أنّ هذا ليس بلازم ضرورة عمّا يحسّ في الإناء وإن كان حقّا فإنّه ليس إذا ردف حق حقّا كان الثاني لازما عن الأول . ( رخل ، 2 ، 3 ) - إنّ أولئك إنما وقع لهم في نفوسهم وجود الخلاء أعني أحسّوه لذهابهم عن سبب سيلان الماء إلى جوف الآنية بعد خروج الهواء منه وامتناعه قبل ذلك ، فنقول إنّ المكان الذي يظنّ به من الآنية أنّه فارغ قد تبيّن أنّه مشغول بجسم . وأولئك لما جهلوا جوهر ذلك الجسم حكموا أنّ ما هو مملوء جسما مجهول الجوهر عندهم خلاء وذلك الجسم موجود إلّا أنّ في مكان الهواء الذي خرج ولا يخلو من أن يكون ذلك الجسم كان في ذلك المكان في الحيّز الذي كان فيه الهواء أيضا ، وإمّا حصل في ذلك المكان بعد خروج الهواء منه وإن كان موجودا فيه مع وجود الهواء لزم أن يكون جسمان يشغلان مكانا واحدا