ذلك الوقت . وهذا الجنس من المقنعات له قوّة عظيمة في تمكين الآراء والأقاويل في النفوس وحدوث الحميّة والعصبيّة وجلالة القائل والرأي ، حتى تذعن إليهم النفوس وتتمكّن الآراء التي يأتون بها حتى تصير في مرتبة اليقين عندهم . وهذا الجنس خطبي ، إلّا أنّه قد يستعمل في المخاطبات السوفسطائيّة ؛ وربما استعمله الجدليّون ، إمّا غلطا منهم وإمّا مغالطة .
( كخط ، 73 ، 3 )
- ( الأشياء التي شأنها أن يكون بها الإقناع ) ومنها استنهاض السامعين واستفزاز القائل آراءهم نحو تصديق قوله بالأقاويل الخلقيّة ؛ وهي الأقاويل التي تحملهم على أن يتخلّقوا بأخلاق ما ، وإن لم تكن فيهم وتتصوّر أنفسهم بصورة أهل العلم بالشيء وتفعل أفعال من له تلك الأخلاق وتلك العلوم ، وإن لم يكن لهم شيء من ذلك .
وهذا الضرب خطبي . وقد يستعمل في السوفسطائية وليس يدخل في الجدل إلّا غلطا أو مغالطة . وقد استعمل هذا جالينوس حين يقول إنما يفهم قولي أو يستحسنه ويقبله من كان من الأحداث ذكيّا مؤثرا للحق ، وكان على فطرته لم يستمل بهوى ، ولا أفسد ذهنه بالآراء الكاذبة وأشباه هذه الأقاويل . ونجد هذا في مخاطبات الجمهور وكتب كثير من العلماء المتقدّمين والمتأخّرين . ( كخط ، 73 ، 16 )
- ( الأشياء التي شأنها أن يكون بها الإقناع ) ومنها تعظيم الأمر الذي فيه القول وتفخيمه ، أو تصغيره وتهوينه ، أو تحبيبه وتزيينه ، أو تخشينه وتقبيحه . فإن القائل إذا عظّم ما في قوله من الصدق والخير ، وصغّر ما فيه من الكذب والشرّ وهوّنه ، وعظّم كذب قول مخالفيه وشرّه ، قبل قوله واطّرح قول خصومه . وهذا مستعمل في السوفسطائية ، ويستعمل في الجدل غلطا أو مغالطة . ومن ذلك تحريف قول الخصم وتصويره بصورة ما تظهر شنعته وتسهل مناقضته ، مثل إسقاط كثير من أقاويله ونقلها إلى ألفاظ أخر ، وإسقاط ما أضمره الخصوم منها في الأمكنة التي يجوز أن يضمروا فيها . ولهذا الجنس أيضا قوّة عظيمة في تمكين الآراء في النفوس وخاصّة إذا ضامت الانفعالات كالعصبية والحميّة والألف والمحبّة . ( كخط ، 75 ، 13 )
- ( الأشياء التي شأنها أن يكون بها الإقناع ) ومنها ، الاستشهاد بالسنن المكتوبة . فمن كانت تشهد له احتاج إلى تقويتها ويحتاج خصمه إلى تزييفها إن قدر ، أو تأوّلها إلى نحو قوله . وأمّا استشهاد القائل بها لقوله فإنك تجده كثيرا في كتب كثير ممّن نحا في كتبه نحو العلوم على سبيل الغلط أو لتكثير الحجج ، كما التمس جالينوس أن يبيّن أن القوّة الشهوانيّة في الكبد بأنّ السنّة كانت في بلادهم أن تجعل عقوبة الزاني نزع كبده ؛ وكما التمس بعض القدماء أن يبيّن أنّ النفس لا تموت وأنّها تبقى بعد خروجها من البدن بأنّ السنّة أطلقت زيارة القبور . ( كخط ، 77 ، 1 )
- ( الأشياء التي شأنها أن يكون بها الإقناع )
موسوعة مصطلحات الكندي والفارابي — صفحة الفارابي 80
مساهمون: جيرار جهامي
صالفارابي ٨٠