- آخرون ( من أهل المدن الجاهلية ) رأوا أنّ البدن طبيعيّ له ، ورأوا أنّ عوارض النفس هي التي ليست طبيعية للإنسان ، وأنّ الفضيلة التامّة ، التي بها تنال السعادة ، هي إبطال العوارض وإماتتها . فقوم رأوا ذلك في جميع العوارض ، مثل الغضب والشهوة وأشباههما ، لأنّهم رأوا أن هذه هي أسباب إيثار هذه التي هي خيرات مظنونة ، وهي الكرامة واليسار واللذات ؛ وأن إيثار الغلبة إنّما يكون بالغضب وبالقوة الغضبيّة ، والتباين والتنافر يكون بهذا . فرأوا لذلك إبطالها كلها . وقوم رأوا ذلك في الشهوة والغضب وما جانسهما ، وأن الفضيلة والكمال إبطالهما . وقوم رأوا ذلك في عوارض غير هذه ، مثل الغيرة والشحّ وأشباههما ؛ ولذلك رأى قوم أنّ الذي يفيد الوجود الطبيعيّ غير الذي يفيد الوجود الذي لنا الآن ؛ ثم أن السبب الذي عنه وجدت الشهوة والغضب وسائر عوارض النفس ، مضادّ للذي أفاد الجزء الناطق .
فجعل بعضهم أسباب ذلك تضادّ الفاعلين ، مثل انبدقليس . وبعضهم جعل سبب ذلك تضادّ المواد ، مثل فرمانيدس في آرائه الظاهرة ، وغيره من الطبيعيين . ( كأر ، 143 ، 11 )
آراء الملّة الفاضلة
- الآراء التي في الملّة الفاضلة منها آراء في أشياء نظريّة وآراء في أشياء إراديّة .
فالنظريّة ما يوصف اللّه تعالى به ، ثمّ ما يوصف به الروحانيّون ومراتبهم في أنفسهم ومنازلهم من اللّه تعالى وما فعل كلّ واحد منهم ، ثمّ كون العالم وما يوصف به العالم وأجزاؤه ومراتب أجزائه ، وكيف حدثت الأجسام الأول وأنّ من الأول أجساما هي أصول سائر الأجسام ثمّ التي تحدث أوّلا أوّلا وتبطل ، وكيف حدثت سائر الأجسام عن التي هي من الأجسام أصول ، ومراتب هذه ، وكيف ارتباط الأشياء التي يحويها العالم بعضها ببعض وانتظامها ، وأنّ كلّ ما يجري فيها عدل لا جور فيه ، وكيف نسبة كلّ واحد منها إلى اللّه تعالى وإلى الروحانيّين ، ثمّ كون الإنسان وحصول النفس فيه ، والعقل ومرتبته من العالم ومنزلته من اللّه ومن الروحانيّين ، ثمّ أن توصف النبوّة ما هي ، والوحي كيف هو وكيف يكون ، ثمّ ما يوصف به الموت والحياة الآخرة ، والسعادة التي يصير إليها الأفاضل والأبرار والشقاء الذي يصير إليه الأراذل والفجّار في الحياة الآخرة .
والضرب الثاني ما يوصف به الأنبياء والملوك الأفاضل والرؤساء الأبرار وأئمّة الهدى والحقّ الذين توالوا في الزمان السالف ، واقتصاص ما اشتركوا فيه والذي اختصّ به كلّ واحد من أفعال الخير ، وما آلت إليه أنفسهم وأنفس من انقاد لهم واقتدى بهم من المدن والأمم في الآخرة ؛ وما يوصف به الملوك الأراذل والرؤساء الفجّار المتسلّطون من أهل الجاهليّة وأئمّة الضلال الذين كانوا في الزمان السالف ، واقتصاص ما اشتركوا فيه وما اختصّ به كلّ واحد من أفعال الشرّ ، وما آلت إليه