كل خير هو لغيره ، وأنّ الإنسان الأقهر لكل ما يناويه هو الأسعد . ( كأر ، 126 ، 2 )
- قالوا ( أهل المدن الجاهلة والضالّة ) : فإذا تميّزت الطوائف بعضها عن بعض بأحد هذه الارتباطات ( أي الآراء الفاسدة ) ، إمّا قبيلة عن قبيلة ، أو مدينة عن مدينة ، أو أحلاف عن أحلاف ، أو أمّة عن أمّة ، كانوا مثل تميّز كل واحد عن كل واحد ؛ فإنّه لا فرق بين أن يتميّز كل واحد عن كل واحد أو يتميّز طائفة عن طائفة ؛ فينبغي بعد ذلك أن يتغالبوا ويتهارجوا . والأشياء التي يكون عليها التغالب هي السلامة والكرامة واليسار واللذّات وكل ما يوصل به إلى هذه . وينبغي أن يروم كل طائفة أن تسلب جميع ما للأخرى من ذلك ، وتجعل ذلك لنفسها ، ويكون كل واحد من كل واحد بهذه الحال . فالقاهرة منها للأخرى على هذه هي الفائزة ، وهي المغبوطة ، وهي السعيدة . وهذه الأشياء هي التي في الطبع ، إمّا في طبع كل إنسان أو في طبع كل طائفة ، وهي تابعة لما عليه طبائع الموجودات الطبيعية . فما في الطبع هو العدل . فالعدل إذا التغالب . والعدل هو أن يقهر ما اتّفق منها . والمقهور إمّا أن يقهر على سلامة بدنه ، أو هلك وتلف ، وانفرد القاهر بالوجود ؛ أو قهر على كرامته وبقي ذليلا ومستعبدا ، تستعبده الطائفة القاهرة ويفعل ما هو الأنفع للقاهر هو أيضا من العدل . وأن يفعل المقهور ما هو الأنفع للقاهر هو أيضا عدل . فهذه كلها هو العدل الطبيعي ، وهي الفضيلة . وهذه الأفعال هي الأفعال الفاضلة . فإذا حصلت الخيرات للطائفة القاهرة فينبغي أن يعطى من هو أعظم غناء في الغلبة على تلك الخيرات من تلك الخيرات أكثر ، والأقل غناء فيها أقلّ . وإن كانت الخيرات التي غلبوا عليها كرامة ، أعطى الأعظم غناء فيه كرامة أكبر ، وإن كانت أموالا أعطى أكثر .
وكذلك في سائرها . فهذا هو أيضا عدل عندهم طبيعي . قالوا : وأمّا سائر ما يسمّى عدلا ، مثل ما في البيع والشراء ، ومثل ردّ الودائع ، ومثل أن لا يغصب ولا يجوز ، وأشباه ذلك ، فإنّ مستعمله إنّما يستعمله أولا لأجل الخوف والضعف وعند الضرورة الواردة من خارج . وذلك أن يكون كل واحد منهما كأنهما نفسان أو طائفتان مساوية ( إحداهما ) في قوّتها للأخرى ، وكانا يتداولان القهر . فيطول ذلك بينهما ؛ فيذوق كل واحد الأمرين ، ويصير إلى حال لا يحتملها . فحينئذ يجتمعان ويتناصفان ، ويترك كل واحد منهما للآخر مما كانا يتغالبان عليه قسطا ما ؛ فتبقى سماته ، ويشرط كل واحد منهما على صاحبه أن لا يروم نزع ما في يديه إلا بشرائط . فيصطلحان عليها . فيحدث من ذلك الشرائط الموضوعة في البيع والشراء ، ويقارب الكرامات ثم المواساة وغير ذلك مما جانسها . وإنما يكون ذلك عند ضعف كل من كل ، وعند خوف كل من كل . فما دام كل واحد من كل واحد في هذه الحال فينبغي أن يتشاركا . ومتى
موسوعة مصطلحات الكندي والفارابي — صفحة الفارابي 27
مساهمون: جيرار جهامي
صالفارابي ٢٧