2 - الفلسفة والملّة والأخلاق
إن الملّة ، كما يعرّفها الفارابي ، تلتئم من تحديد آراء وتقدير أفعال .
والآراء المقدّرة ، سيّما في الملّة الفاضلة ، تبتغي الحق أو مقالاته بعلم أو ببرهان ؛ وإلّا كانت ملّة ضلالة لأنها تعلم بذاتها ولا تستعمل البرهان . انطلاقا من هذا التعريف تجري المشابهة بين هذه الملّة والفلسفة التي إذا كانت نظرية فكرية علمها الإنسان دون أن يعملها ، وإذا كانت عملية أمكنه أن يعملها . أما الرابط بينهما فيكمن في استلال الملّة شرائعها من الكلّيات الفلسفية العملية ، وآراؤها النظرية تتقيّد ببراهين الفلسفة النظرية . يستخلص الفارابي من هذا التفاعل بين الحكمة والشريعة انعكاس الأمر على طبيعة المهنة الملكية الرئاسية ، والتي عنها تلتئم الملّة الفاضلة تحت رعاية الفلسفة بالذات . يقول في كتاب الملّة ( ص 55 ) : « المهنة الملكية التي بها تكون هذه الرئاسة هي المهنة الملكية الفاضلة . والسياسة الكائنة عن هذه المهنة هي السياسة الفاضلة . والمدينة أو الأمة المنقادة لهذه السياسة هي المدينة الفاضلة والأمة الفاضلة » . لذا فالعلم البرهاني هو الذي يقعّد الأفعال المقدّرة في الملّة الفاضلة . يبرز هنا هذا العلم المنطقي مجدّدا علما نظريّا ضروريّا للصنائع والفنون السياسية والإدارية الاجتماعية .
انطلاقا من هذا الترابط العضوي بين الملّة والفلسفة ، وفي ضوء مستلزمات العلوم المدنية - السياسية في أصولها وتفرّعاتها ، يبرّر الفارابي مكانة الملك الرئيس ، الفيلسوف النبي ، ومهامه الرئاسية . فيحدّد معنى المهنة الملكية ، وفعلها السياسة ، التي يجب أن تحافظ على خلقية السير والملكات التي تنال بها السعادة القصوى . ثم يركّز على السياسة الفاضلة ، مدرجا الأخلاقيات الفاضلة دعامة لنجاح هذه السياسة .
هذا هو الإطار الصحيح الذي يخوّلنا ولوج عالمي الفلسفة والشريعة لنفهم طروحات الفارابي الاجتماعية والسياسية في « كتاب آراء أهل المدينة الفاضلة » بنوع خاص ، تحت لواء الفلسفة في سموّها والنبوة في مقامها . علما أن الفارق الزمني المشار إليه بينهما يرخي بظلاله على تقدّم المنحى الفلسفي