لمقام الرئاسة منه على المنحى الديني . هكذا درج الفارابي على الربط بين مسلّمات العقيدة ومعطيات الحكمة ، مبيّنا مدى أهمية انخراط الروح الفلسفية في صلب روحانيات الدين وتسرّبها إلى حياة أهل المدينة ومعتقداتهم . وعلى هذا المنوال تنتشر المبادئ الفلسفية الكونية والإنسانية بين علوم أهل المدن الفاضلة ( الأشياء المشتركة كما يسمّيها ) ، وذلك ليتسنّى لهم التغلّب على جو الفساد والاضطراب المهيمن على واقعية الحياة كما عاشها في عصره ، والتقيّد تاليا بالفضائل والمثل العليا . وبالمقابل تلوح روحية الإسلام الصحيح كعقيدة رائدة منسجمة مع نفسية الفلاسفة ، وقد فطر عليها الإنسان ليبلغ سعادته وكماله الحقيقيين .
أما في حال غياب الرئيس بخصاله الحميدة ، وعدم التمكّن من إيجاد بديل عنه ، فلا بدّ أن تؤول المدينة الفاضلة إلى مضاداتها ، مع ما سوف يستتبع ذلك من حال فوضى وفساد وتحوّل الفضائل إلى رذائل . وإذا كان الفارابي قد كرّس قسما من كتاباته لتحليل طبائع هذه المدن وأحوال أهلها ، فذلك للتنبيه على ما يمكن أن يلحق مفهوم السعادة من زيف باطل ومعتقد زائف ؛ وعلى بروز فلاسفة زور يتعلّمون نظريّا ويعرضون عن الأفعال الفاضلة . فالسعادة التي كان ينشدها ليست مادية إنما هي عقلية وروحية ، والفلسفة التي كان يبشّر بها برهانية يقينية لا مراء فيها . أما مفاهيم العدالة ، والاختيار الإرادي ، والفضيلة فهي لا تعرف القوة والقهر وشهوة الغرائز التي تسود في المدن الجاهلة والضالّة .
3 - الفلسفة والمعرفة والسلوك
شاء الفارابي الربط ، على طريقة أسلافه حكماء الإغريق ، بين الشقين النظري والعملي للحكمة ، بغية الخروج برؤية متكاملة في ظل مذهب محكم المفاصل والتدرّجات . فنظام الكون ، وعلى رأسه واجب الوجود ، ألهمه نظام المدينة وعلى رأسها ملك رئيس جامع بين خصال الفيلسوف والنبي .
والفلسفة ، كما عرّفها ، يكمن غرضها الأقصى في بلوغ السعادة القصوى ، علاوة على أنها العلم بالموجودات بشكل عام ، تحصل بجودة التمييز لتشحذ الذهن وتقوّيه على إدراك الصواب والحق اليقين . لذا فهي أضحت تضمّ علوم