حقيقة الثانية ، وفسادها يؤدّي إلى بطلانها . « فالملّة إذا جعلت إنسانية ( كما يقول في كتاب الحروف ص 130 ) فهي متأخّرة بالزمان عن الفلسفة ، وبالجملة إذا كانت إنما يلتمس بها تعليم الجمهور الأشياء النظرية والعملية التي استنبطت بالوجوه التي يتأتّى لهم منهم ذلك ، بإقناع أو تخييل أو بهما جميعا » . فالفقيه يتشبّه بالحكيم وإن اختلفا في مبادئ الرأي ، والمتكلّم يأخذ بالرأي المشترك مع الجمهور ، وإن جادله فيما بعد وأقنعه بالطرق الخطبية .
وكلّ منهم ينطلق من الأخذ بلغة الأمة ليكسبها مغازي مقولاته وآرائه وغاياته .
يعلّل الفارابي على هذا النحو طرق تحوّل لغة الأمة وتطوّرها وازدهارها في العبّ من مناهل الفلسفة ، مرورا بالعلوم والصنائع على أنواعها . فتخترع الأسماء الفلسفية بالإشراك في المعاني عن طريق التشبيه والتشابه مثل لفظي الجوهر والعرض ؛ أو تنقل الألفاظ كما هي
( calque )
وعلى غرابتها مثل الأسطقس والهيولى ؛ أو باختراع ألفاظ جديدة عند فقدانها مثل الهوية والماهية . فيمسي هذا البعد الجديد للأسماء والألفاظ في خدمة الفكر دون أن يبعدها عن خضمّ الحياة إذ هي نابعة منها أصلا وفروعا .
يدعونا الفارابي إلى الأخذ بهذه القواعد الاشتقاقية والتوليدية مثلا تحتذى للتعبير الفلسفي الناطق بالعربية . فنؤمّن بالتالي نقل نصوص الفكر الغربي وتعريبها وفقا لأصول دقيقة ، وحفاظا على المعاني اللغوية المنقول منها مع مراعاة المؤالفة بين العلوم النحوية والحكمية .
تبدو الفلسفة على هذه الحال غير مرتبطة بأهلها وحسب ، إنما تعني الأمة في حضارتها ومعتقداتها أيضا . فإذا كان العلماء هم من الخواص ، فالخواص على الإطلاق هم الفلاسفة . فكل من قلّد رئاسة مدنية أو كان معدّا ليشغل هذا المنصب ، صلح له « إذ كان فيه شبه ما من الفلسفة ، إذ كان أحد أجزائها الصناعة الرئيسة العملية » . فالفلسفة على هذا النحو هي أساس بناء الدولة ، واللغة الفلسفية تكوّن إحدى وسائل إنهاض هذا الصرح ودعمه وتجسيده على ثبات إلى جانب الملّة الفاضلة التي تتعاطاها وتتكلّمها .