يقول الفارابي في أصل اللغة واكتمالها ( كتاب الحروف ، ص 139 ) : « فكل معنى كان واحدا ولم يكن صفة مشتركة لأشياء كثيرة ولم يكن يشابهه شيء أصلا ، فيسمّى الأشخاص والأعيان ؛ والكليات كلها فتسمّى الأجناس والأنواع . فالألفاظ إذن بعضها دالّة على أجناس وأنواع وبالجملة الكلّيات ، وبعضها الآخر دالّة على الأعيان والأشخاص . والمعاني تتفاضل في العموم والخصوص » . إنها أمست لغة العلاقات والروابط بين التدرّجات والتحوّلات المعنوية أفقيّا وعموديّا ، إلى أن شملت معظم الاستعارات والمجازات ، وتوسّعت بتكثير مفرداتها وترتيبها وتلوينها بالمحسّنات اللفظية .
وفي المقابل تحوّلت اللغة الفلسفية إلى مضمار آخر كشف عنه الفارابي وتعمّق في تحليل طبائعه ، ألا وهو فلسفة اللغة في اللسان العربي : من تكوّنها تاريخيّا وجغرافيّا ، إلى اكتمالها وهي تتأرجح بين الصنائع العامية والقياسية .
فهناك علاقة وثيقة وطبيعية تربط اللغة بالجغرافيا السكنية ، والعرق ، والطبائع الفطرية ، ومتطلّبات الحياة البيئية . وما تفسير حدوث ألفاظ الأمة بداية مع جمهور العوام إلّا ضمن إطار المسكن والبلد والخلق والخلق وتكوين الأبدان ، كلها عوامل تطبع مقادير اللغة كمّا وكيفا ؛ وهي تتحكّم بنوعية اللغة ومدى استعمالها ، رمزية وإشارية بتصويتاتها ونداءاتها . إن أبناء الأمة الواحدة يبتغون الدلالة على المحسوسات والاستجابة لضرورات الحياة والسلوك العام بواسطتها . ثم يجري اصطلاحهم وتواطئهم على ألفاظ دالّة على المعقولات إلى أن تشيع بين الجماعة . عندها يضع مدبّر أمورهم لسان الأمة ، وما خالفه يعتبر من « الأعجم والخطأ من ألفاظهم » . وإذا ما اكتملت اللغة ، انتقل أهل الخاصة منها ، فقهاء ومتكلّمين وفلاسفة ، إلى اختراع الأسماء تلبية لحاجات صنائعهم العامية منها والقياسية في ضوء تداخل علوم الملّة وعلوم الفلسفة . الأولى تضم صنائع الخطابة والشعر والرواية التاريخية واللسان والكتابة ؛ والثانية تجمع بين أنواع الطرق الخطبية والجدلية والسوفسطائية والبرهانية بغية تعليم الجمهور وإقناعه ، ووضع العلوم القياسية كالمنطق والطبيعيات والإلهيات .
هكذا تبدو الصلة وثيقة بين الملّة والفلسفة ، إذ صواب الأولى يولّد
موسوعة مصطلحات الكندي والفارابي — صفحة مقدمة الفارابي 13
مساهمون: جيرار جهامي
صمقدمة الفارابي ١٣