التعاليم ، والعلم الطبيعي والإلهي والمدني معا .
انطلاقا من هذا المنحى كان لا بدّ للفارابي من التطرّق إلى المعرفة الإنسانية في إطار طبيعة النفس التي هي « متشوّقة إلى الوقوف على أسباب الأشياء المحسوسة والأمور المشاهدة مما في السماء والأرض » . فهي مبدأ الحياة بالقوة وحياة الجسم بالفعل . تدرك العالم الخارجي بآلات وأعضاء هذا الجسم بمختلف وظائفها ، محتفظة لذاتها بإدراك بواطن الأمور عقلا وذهنا . هكذا تنقسم معارفها إلى محسوسات ومعقولات : مدركات حسّية تلتقطها بملكاتها من حافظة ومتخيّلة ومتوهّمة ؛ ومدركات عقلية تصلها بواسطة عملية تجريدية تنقل لها معلوماتها من الجزئيات المشخّصة إلى الكلّيات . تتم هذه العملية بواسطة العقل الفعّال المفارق والواصل بين عالمي الطبيعة وما بعد الطبيعة .
يبين العقل البشري ملكة بالقوة ، فيها تهيّؤات لتقبّل المعقولات على أنواعها بعد كشطها من لواحقها الكمية والكيفية . فهو في أدواره الأولى عقل هيولاني تلازمه حالة ارتسام المعقولات فيه لتنقله من حال القوة إلى حال الفعل والملكة . وعندها تتفاوت درجات التعقّل على صورة تفاوت قدرة الناس في استيعابهم المعارف ودرجة ذكائهم . فمنهم من يقفون عند الحدود الدنيا لها ويسلكون طريق امتهان الصنائع والأفعال المهنية ، ومنهم من يتجاوزون هذا الحدّ لتحصيل العلوم القياسية والملّية . فيبلغون آنذاك درجة العقل المستفاد الذي هو « أتم وأشد مفارقة للمادة ، ومقاربة من العقل الفعّال » . لذا فالمعقولات التي تكون أصلا متجذّرة في المادة يبلغها العقل بالفعل ويقف عندها في تحصيله العلمي . أما العقل المستفاد فيصل إلى مكانة عالية تكتمل عندها سلسلة المعارف اليقينية لديه وللنوع الإنساني . فالمعرفة العقلية تتوّج بمعرفة إشراقية إذا قيّض للإنسان أن ينالها بالزهد والتأمّل على الطريقة التي سلكها الفارابي نفسه . وبذلك يكون المعلّم الثاني قد قارب بين منحاه المشّائي الأرسطي ، والخط الإسكندراني الذي انتمى إليه تحت تأثير الأفلاطونية المحدثة . وقد عكسه عندما رسم هيكلية الكون ، وتدرّجات الأفلاك والعقول ، وتعرّجات المعرفة ؛ والكل نابع من نظام فيضي أفلوطيني ،
موسوعة مصطلحات الكندي والفارابي — صفحة مقدمة الفارابي 17
مساهمون: جيرار جهامي
صمقدمة الفارابي ١٧