وفي اليونانية فعلا يشكّل مصدر سائر الاشتقاقات ويكوّن مثالا أولا ، ليمسي لدى الفارابي انطلاقا من بعده اللغوي دالّا على معنى لم يصرّح به ، وقد فهم أنه كالعرض في موضوع ، وفعل الوجود بذاته يلعب دور الإضافة كقولنا :
وجدت كذا . أما الحرف فينقله من مجاله الضيّق إلى حدّ استعماله لفظا منطقيّا . ففي فصل « السؤالات الفلسفية وحروفها » يحدّد لنا كيف أن حرف « لم » الدالّ على سبب وجود الشيء بمعنى لماذا ، عنه يتفرّع « برهان الوجود » أو « برهان لم » . وحرف « ماذا » يدلّ على حدّ الشيء أو ماهية ملخّصة هي أحد أسباب وجوده . وحرف « هل » يبحث عن طلب معرفة وجود الشيء . هكذا يعيد الفارابي وصل حلقات المعرفة بواسطة هذه الاصطلاحات اللغوية ، وكأن مجموع الحروف والألفاظ يسيّج دوائرها انطلاقا من بوادرها المتجذّرة في واقعها .
إن الازدواجية المعنوية للألفاظ حاصلة لا شك بين المعنيين النحوي والمنطقي ، أو الطبيعي والنفسي ، أو المادي والروحي . بل قل إن لكل مصطلح بعدين أو أكثر ، يتناسبان جزئيّا مع الأصل ويختلفان من ثمّ ليشكّلا مادة كل علم وصناعة عامية وقياسية . هكذا يتدرّج من معناه الحسي إلى مضمونه الذهني مثلما هي حال لفظ « الجوهر » الذي يشير إلى الأشياء المعدنية الثمينة عند الجمهور ، وإلى المشار إليه والماهية عند المناطقة والفلاسفة « * » .
هامش
( * ) نشير في هذا الرسم إلى معاني مصطلح الجوهر في أبعاده المنطقية والفلسفية :