علوم الدين واللسان ، فعكست تاليا ذهنية أصحابها الأعراب وعلماء النحو المسلمين في جذورها ومصادرها ؛ ثم أضيفت إليها أبعادها الفكرية تحت تأثير العلوم الدخيلة . ففي المنطقيات ميل أكيد نحو المقولات النابعة من الواقع العيني ، من حمل وربط مسند وجوهر ووجود ، إلى محمولات وكلم روابط ومقولات وماهيات ومطلقات . وفي الماورائيات توجه نحو ربط الطبيعي بالماورائي ، والإنساني بالإلهي ، إلى حدّ طرح الوحي النبوي من خلال قوة النفس المتخيّلة وإشراق العقل الفعّال أو الروح الأمين « * » .
هكذا ولد المصطلح الفلسفي لدى الفارابي عربيّا يونانيّا مخضرما ، وقد وفّق أصحابه بين بعدي اللغة الأصيلة والفلسفة الدخيلة ، أي بين اللفظ البديء والمعنى الطارئ . فإذا حلّلنا مثلا حرفا من الحروف ، أو كلمة من الكلم ، وجدنا هذا المزيج بارزا . وقد لاحت بوادر تخريجه قبل الفارابي أيام التراجمة والنقلة ، والذي قعّده كلّ من جابر بن حيّان والكندي في رسائلهما إذ اشتقّا جذوره ونحتا قشوره ومضامينه . وهذا ما دفع بالفارابي إلى أن يتناول معنى كل لفظة لغة ، ثم يضفي عليه بعدا طبيعيّا أو نفسيّا أو منطقيّا أو ذهنيّا مجرّدا . فينتقل المصطلح المعتمد لدى أهل الرأي والكلام والفقه والعلم والفلسفة من مستواه الأول المتطابق مع الموجود الحسي خارج النفس ، إلى ملاءمته المعقول المنشود في باطن النفس . هذا التمييز المعنوي يؤدّي حتما إلى المقابلة بين لغتي العامة والخاصة ، دون قطع الصلة بين الأصيل والدخيل ، بين الجذر والفرع . مما يؤكّد أن اللغة الفلسفية لم تكن بدعة كما ادّعى بعض النحويين في مساجلاتهم مع المناطقة ، وليست هي لغة اخترعت ضمن لغتهم ، إنما من خلالها وفي صلبها مع مراعاة خواصّ كل علم . فإذا أخذنا مثلا لفظ « الموجود » وجدناه مشتقّا في العربية من الوجود والوجدان ،
هامش
( * ) يتبع اللفظ خطّا تصاعديّا على نحو يظهر التواصل والتنامي بين مختلف مضامينه ودلالاته في أبعادها على النحو التالي :
لفظ حسّيّ - عقليّ / من المشار إليه الفرد إلى الجزئيّ فالكلّي
المعنى الذي بالطبع / المعنى الذي بالوضع والعادة / المعنى الذي بالوضع الذهنيّ - المنطقيّ - المارورائيّ - مقيّدا ومطلقا