تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة مصطلحات الكندي والفارابي — صفحة مقدمة الفارابي 9

مساهمون:

صمقدمة الفارابي ٩
النفسية ، الإلهية ، الروحانية والمدنية . فالحكمة الفلسفية قائمة على أصول منطقية دعته إلى اعتماد مناهج العقلاء . كان يتسلّم مقدّمات كل علم ويعرّفه قبل ولوج مضامينه ، ثم ينسّق بين تفرّعاته وطبائعه . هذا معنى كتاب عيون المسائل في المنطق ومبادئ الفلسفة القديمة ، مبادئ فلسفة أرسطوطاليس ، وفصول في مبادئ أهل المدنية الفاضلة الخ . . . كذلك حاول في كتابي « الألفاظ المستعملة في المنطق » و « الحروف » ، تثبيت معاني المصطلحات والأدوات اللفظية الضرورية لولوج العلوم الفلسفية ، سيّما المنطق والماورائيات . ثم ركّز على أبعادها الفكرية بعد الكشف عن مدلولات جذورها اللسانية . فالعلاقة التي أرساها بين اللغة والفكر دلالية باطنية ، تفصل بين العلوم ، لكنها توحّد أيضا بين أغراضها وطبائعها . من هذا المنطلق اعتبرت أعمال الفارابي في هذين المجالين تأسيسية وأساسية لمسار الفكر العربي والإسلامي اللاحق باللسان الخاص بالأمة . لقد طغت على أعمال الفارابي الفكرية والدينية نزعة توفيقية تلفيقية شاءها جامعة بين المؤتلف ، ومقرّبة بين المختلف ، نظرا إلى وحدة الحقيقة الفلسفية أولا ، وتلك العقلية الإيمانية ثانيا . فالذين أبدعوا الفلسفة في أصولها وفروعها وخواتمها لا بدّ ان يلتقوا وإن تباعدت آراؤهم أو تباينت مناهجهم . إذا ما اعتمد أفلاطون مثلا المنهج الرمزي ، كان تلميذه أرسطو منطقي المنهج . الأول وصل إلى المثل هربا من الواقع الحسي الزائف ، بينما ربط الثاني بين عالمي البدن والنفس ، لكنهما وصلا معا إلى أن الحقيقة ثابتة في عالمها الماورائي العلوي عكس نظرية السوفسطائيين . هذا الجمع بين اتجاهات مادية وروحانية ، ذهنية وإشراقية ، جعلنا ندرك مدى ولوج الفارابي متاهات أنواع المعارف على اختلافها ، وسبب وقوعه في حيرة أحيانا من أمر الفلاسفة وأمر اتجاهه هو نفسه . لكنه لم يقصّر عن بلوغ غائية التوفيق بين الفيلسوف والنبي على الرغم من تباعد طبيعة معارفهما ، وتركيب منهجيتهما المعرفية التي يوحّد بينها ربما المصدر الإلهي بواسطة العقل الفعّال . والتوجّه هذا طبع مؤلّفاته بالفلسفية المنطقية العقلانية حينا ، وبالصوفية النبوية الروحانية أحيانا .
موسوعة مصطلحات الكندي والفارابي — صفحة مقدمة الفارابي 9 | جيرار جهامي