هو الموت ركّاض إلى كلّ مهجة * يكلّ مطايانا ويعيى السّوابقا
فإن هو ولّى هاربا فهو فائت * وإن كان يوما طالبا كان لاحقا
فكم ذا تغول النّائبات نفوسنا * وتستلب الأهلين ثمّ الأصادقا
وكم ذا نعير المطمعات عيوننا * وندنى إلى ريح الغرور المناشقا « 1 »
ونعشق في دار الفناء مواطنا * يعرّين منّا لم يكنّ معاشقا
واشتاق إمّا قاليا أو مقاطعا * فيا شائقا لي ما أضرّك شائقا ! « 2 »
ولو أنّنى وفّيت حقّ تجاربي * قطعت من الدّهر العثور العلائقا
نطاح إلى الأجداث في كلّ ليلة * ونوسد في قفر التّراب المرافقا « 3 »
فيا خبرا أذرى العيون جوامدا * وأبقى القلوب السّاكنات خوافقا
أتاني طروقا وهو غير محبّب * وكم جاء ما لا تشتهى النّفس طارقا « 4 »
وددت ودادا أنّه غير صادق * وكم قاتل ما كنت أهواه صادقا
أصابك من سهم الرّدى ما أصابني * وكان لجلدى قبل جلدك خارقا
ولو أنّنى حمّلت ثقلك كلّه * حملت علوقا بالذي كنت عالقا
فإن يك غصن من غصونك ذاويا * فقد أبقت الأيّام أصلك باسقا « 5 »
وإن يك نجم غار بعد طلوعه * فقد ملأت منك الشّموس المشارقا
أزال الرّدى منّا على الرّغم تلعة * وأبقى لنا منك الجبال الشّواهقا « 6 »
وما ضرّ والسّربال باق على الفتى * إذا شعّثت منه اللّيالى البنائقا ؟ « 7 »
هامش
( 1 ) المناشق : جمع المنشق وهو الأنف .
( 2 ) القالى : المبغض .
( 3 ) الأجداث : القبور مفردها جدث .
( 4 ) الطارق : الآتي ليلا .
( 5 ) الباسق : الطويل .
( 6 ) التلعة : الأرض المرتفعة .
( 7 ) البنائق : جمع البنيقة وهي لبنة القميص أو جربانه أي زيقه الذي يفتح على النحر .