من يسمعه يعلم أنّه ليس منه في قبيل ولا دبير « 1 » .
ومنها : أن نبيّن أنّهم إنّما لم يعارضوه للتعذّر لا غير .
والّذي يدلّ على ذلك أنّه قد علمنا أنّهم قد اجتهدوا في إبطال أمر رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - وإطفاء نوره بكلّ ما قدروا عليه ، فلمّا أعيتهم الحيلة عدلوا إلى قتاله وبذلوا نفوسهم وأموالهم دونه . ونحن نعلم أنّهم لو كانوا قادرين على معارضته لعارضوه ، لأنّ الكلام كان سهلا عليهم غير متعذّر من جهتهم ، وقد كانوا يفتخرون بذلك في نظمهم ونثرهم ، ولما عدلوا إلى ما هو أشقّ على النّفوس من بذلك النّفوس والأموال ، لأنّ العاقل لا يختار في بلوغ أغراضه ما هو شاقّ على نفسه على ما هو سهل عليه .
فكيف وهم يعدلون إلى ما هو شاقّ من قتاله ومعاداته ولم يبلغوا أيضا أغراضهم في تكذيبه وإطفاء نوره ، لأنّ جميع ذلك لم يدلّ على كذبه ، ولو عارضوه لدلّ على كذبه وحصلت لهم أغراضهم .
فلمّا لم يفعلوا ذلك مع كمال عقولهم ورجحان آرائهم وفرط
هامش
- قدم على النبيّ في وفد بني أسد سنة 9 فأسلموا ، ولمّا رجعوا ارتدّ طليحة وادّعى النبوّة وكثر أتباعه وكان يتلو على الناس أسجاعا أمرهم فيها بترك السجود في الصلاة . وغزاه المسلمون فانهزم وفرّ إلى الشام ، ثمّ أسلم ووفد على عمر فبايعه في المدينة وخرج مع المسلمين وقتل في نهاوند . انظر :
- ابن الأثير : الكامل ج 2 ص 232 .
- الزركلي : الأعلام ج 3 ص 230 .
( 1 ) . يعنى الوراء والخلف . يقال : ما يعرف قبيلا من دبير ، ويراد القبل والدبر ( ابن منظور : لسان العرب ج 11 ص 539 ) .