فأمّا جهة وجوب المعرفة فهي : أنّ العلم باستحقاق الثّواب والعقاب اللّذين هما لطف المكلّف بفعل الواجب والامتناع من القبيح العقلي « 1 » ، لا يصحّ إلّا بعد حصول المعرفة ، لأنّه يستحقّ منه تعالى وعليه . وقد علمنا أنّ العلم باستحقاق الثّواب والعقاب لطف .
ألا ترى أنّ من علم أنّ عليه من فعل القبيح ضررا زائدا على ما علمه من استحقاق الذّمّ ، كان ذلك صارفا له عن فعله . ومتى علم أنّه
هامش
- في الإعتقاد ص 184 ) وقالت المعتزلة إنّ وجوب النظر عقلي . وأمّا الإمامية فقد وافقوا المعتزلة في ذلك ، وقد صرح به النوبختي في الياقوت والسيّد المرتضى هنا وبعض كتبه الاخر والشيخ في تمهيد الأصول ص 4 وأبو الصلاح الحلبي في تقريب المعارف ص 34 والعلامة في أنوار الملكوت ص 7 والفاضل المقداد في إرشاد الطالبين ص 111 .
وقد نسب المحقق « مارتين مكدرموت » في كتابه المترجم إلى الفارسية باسم « انديشههاى كلامي شيخ مفيد ص 83 » إلى الشيخ المفيد القول بأنّ وجوب النظر سمعي وأنّ الإماميّة متفقة على ذلك ، وجعله مقابلا لقول القاضي عبد الجبار ، وأطنب في ذلك ، واستند إلى كلام للمفيد جاء في كتابه أوائل المقالات ص 11 هذا نصّه :
« إتّفقت الإمامية على أنّ العقل يحتاج في علمه ونتائجه إلى السمع ، وأنّه غير منفك عن سمع ينبّه الغافل على كيفيّة الاستدلال ، وأنّه لا بدّ في أوّل التكليف وابتدائه في العالم من رسول » .
ونحن نرى أنّ كلام المفيد هذا ليس في مقولة وجوب النظر في طريق معرفة اللّه ، بل هو ناظر إلى وجوب بعثة الأنبياء ، وأنّ العقل بانفراده لا يمكن له معرفة التكاليف ، ولا بدّ له من إرشاد من اللّه تعالى بواسطة من ارتضى من رسول .
( 1 ) . ق : كلمة « العقلي » ساقطة .