لأنّ هذا الخبر لا يدلّ على أكثر من أنّ الشيخين قد ذر عليهما من تراب حفرتيهما ، وأين هذا من إتحاد طينتهما بطينة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ؟ ! .
أمّا أوّلا : فلأنّ حفرتي الشيخين غير متحدتين بقبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، بل هما مجاوران له تلك المجاورة ، فلا يوجد إلّا تحاذ في الطينة .
وأمّا ثانيا : فإن سلم إتحاد حفرتيهما بقبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فذلك أيضا لا يوجب إتحاد طينتهما بطينته صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، لأنّ الطينة هناك لا يراد بها أصل الإنسان الذي جبل عليه وخلق ، كما صرح به ولي اللّه في إزالة الخفاء ، وستجيء عبارته ، وظاهر أنّ تراب الحفرة الذي يذر على المولود ليس تلك الطينة ، فغاية هذا الخبر الدلالة على إتّحاد الطينة التي ذرّت على الشيخين وعلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أو مجاورتها لها ، وهذا لا يعني شيئا ! ، فإنّ كثيرا من الفساق والفجّار بل بعض الكفّار أيضا دفنوا في المدينة ، فيكون على ذلك الطينة المذرورة عليهم متّحدة بالطينة المذرورة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم .
وأمّا ثالثا : فإنّا لا نسلم أنّ المراد من الحفرة في هذا الحديث هي الحفرة التي يدفن فيها الإنسان ظاهرا ، بل المراد بها ما يستقرّ فيه الميّت سواء دفن فيه ظاهرا أو نقل إليه بعد النقل ، ولا نسلم أنّ الشيخين إستقرا بعد الدّفن عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، بل عندنا أنّهما قد نقلا من هذا المكان الشريف المقدّس ، والقيا في حفرتيهما الحريتان بهما ، وحديث نقل الأموات من مكان إلى مكان ممّا لا يتفرّد به الشيعة ، بل تنقله السنّة أيضا كما لا يخفى على من طالع العقد الثمين ، وغيره من كتب ثقاتهم المعتمدين « 1 » .
وأمّا ما قال أبو عاصم من تلقاء نفسه : فهو إن كان متفرعا على الخبر الذي
هامش
( 1 ) العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين لأحمد بن أحمد الفاسي المتوفي سنة 832 ه .