وفضل ما نمقه من القعاقع « 1 » ! ، لأنّ من كان محلّه أعلى وحظه أوفر من القربة والزلفى فهو موسّع عليه مرخى عنانه ، بخلاف من ليس كذلك ومحله دون ذلك ، فإنّه لصعوبة نفسه وشراسة طبعه محتاج إلى اللّجام بلجام ، والامتشاق بزمام .
وغرضه أن يوجه هذا الكذب ويخترع له توجيها وتسويلا ، فإنّه بصريحه دالّ على تفضيل ابن الخطاب على سيّد العلماء الأنجاب ، حيث سمع صوت عمر كفه وهابه ، فهذا غاية في الدلالة على أفضليّة عمر وأورعيته وكونه أشدّ ورعا وتقوى وصلاحا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عنده ! .
فرام الحكيم الترمذي أن يقلب الأمر الصريح ، ويجعل لهذه القصّة البداهة والصراحة دالّة على أفضليّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ومفضوليّة عمر ، وذلك لقاعدة كليّة سخيفة ، وهي :
إنّ من كان أقرب عند اللّه وأفضل وأمثل فهو في وسعة ، ويجوز ارتكاب هذه الأمور ، وإمّا من ليس هذه صفته فهو في شدّة وصعوبة لنقصان محلّة ! ، يعني أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لمّا كان أفضل من عمر وأقرب إلى اللّه تعالى في سعة قد أرخي عليه ، فلذلك سمع ضرب الدفّ ، وأمّا عمر فلمّا كان مفضولا ولم يكن محلّه كمحلّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فلم يكن هو في سعة فلا يجوز له سماع ضرب الدفّ ، فلذلك كفّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عائشة عن ضرب الدفّ عند سماع صوته ، وعلى ذلك حمل قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ليس كلّ الناس مرخا عليه .
ولا يخفى ! على المتأمّل المتدرّب الفاحص عن حقيقة الأمور ، إنّ هذا
هامش
( 1 ) القعقعة ، صوت طائر ضخم من طيور البرّ .
وفي الحديث : ( فجيء بالصبي ونفسه تقعقق ، أي تضطرب - يعني كلما صدرت إلى حال لم تلبث ان تصبر إلى حال أخرى تقربه من الموت / لسان .