ألا يدرون أنّ مرتبة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أعظم المراتب ، ودرجته أعلى المدارج ، وهو أتقاهم وأفضلهم ، فكيف يسمع ضرب الدفّ عنده وسماع صوته ؟ ! هل ذلك إلّا بهتان بيّن وكذب جليّ .
وكذلك ترى الواضع وضع على عائشة أنّها سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : إنّ ضرب الدفّ كان حلالا فلمّا جاء عمر صار حراما ؟ ! ، فإنّ هذا القول صريح في استبعاد هذا الكذب الموضوع ، وما وضعوه على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في جواب هذا السؤال لا يشفي علّة ، ولا ينفع أداما ، ولا يثلج صدرا .
وقد قال الحكيم الترمذي حمقا بعد نقل هذا الخبر :
« إنّ المقربين صنفان : صنف منهم قلوبهم في جلاله وعظمته هائمة ، فقد ملكتهم هيبته ، فالحقّ ( سبحانه وتعالى ) يستعملهم في كلّ أمر ، فهم مشرفون على الأمور مشمرون لها ، وصنف آخر قد أرخى من عنانه ، فالأمر عليه أسهل لأنّه قد جاوز قلبه هذه الخطة ، فقلبه في محلّ الشفقة في ملك الوحدانية ، وكلّما كان القلب محلّه أعلى ومن القربة أوفر حضّا ، كان الأمر عليه أوسع ، [ لأنّ نفسه مؤتمنة وانّ اللّه تعالى يلطف ] « 1 » بعبده المؤمن ، فإذا علم منه أنّ نفسه صعبة وأنّه محتاج إلى اللجام ، ألجمها بلجام الهيبة وأبدى في قلبه من سلطانه وعظمته لئلّا يفسد ، وإذا علم أنّ نفسه لينة كريمة ، أرخى من عنانه فأبدى على قلبه من الوحدانية ما انفرد قلبه ونفسه وماتت شهوته وذهل عن ذكر نفسه فان أرخى عليه قلبه لم يفصل [ فهو يستعمله وهو يكلؤه ، فالمحقّ في الظاهر أعلى فعلا عند أهله والأواه في الباطن أعلى ] « 2 » » « 3 » .
هامش
( 1 ) في المصدر [ وهذا لأنّ اللّه تعالى تلطف بلطف ] .
( 2 ) أثبتناه من المصدر .
( 3 ) نوادر الأصول ( سلوة العارفين ) للترمذي : 2 / 32 الأصل المائة .