وكيف يجترئ مؤمن متدين بعد هذا القول من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، على الحكم فيها والدخول في مضايقها والكشف عن غوامضها ، بالرأي والتظني المفضي إلى التعني ؟ ! ، وهل هذا إلّا مخالفة له ، وعصيان إياه ، وعدم التّصديق له بعد إظهار تصديقه - نعوذ باللّه من الحور بعد الكور « 1 » والضلال بعد الهدى - .
والعجب من عمر ! يظهر الحياء من اللّه في مخالفة أبي بكر ، ومع ذلك لا يستحي عمر من مخالفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عند وفاته وقرب مماته ، فإنّ الفتوى في هذه المسألة مع نصّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم على أنّه يراه أنّه لا يعلمها مخالفة صريحة ، ومعاندة قبيحة .
ثمّ إنّ عمر لمّا كان في الحقيقة عن هذه المسألة جاهلا ، وقد قال ما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم له لمّا استفسره عنها سائلا ، لم يكن له مع الحكم فيها برأيه السخيف الفاسد وفهمه الأفين أن يخفي حقيقة الحال ، فكما أنّه أقرّ في هذه الرواية برؤية جهله وعدم حصوله علمه له عائدا بعد ما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ما قال ، كذلك أقرّ بجهله في هذه المسألة في مقامات شتى ومجالس مختلفة ! .
ففي كنز العمال :
« عن عمر ، قال : ( لأن أكون أعلم الكلالة أحبّ إليّ من أن يكون لي مثل قصور الشام ) ابن جرير » « 2 » إنتهى .
فهذا كما تراه صريح في جهله عن الكلالة ، وعدم قدرته واستطاعته بعلمها .
هامش
( 1 ) أي : نعوذ باللّه من الرجوع بعد الاستقامة والنقصان بعد الزيادة ، فالحور النقصان والكور الزيادة / لسان .
( 2 ) كنز العمال للمتقي الهندي : 11 / 80 ( 30692 ) .