فينهدم بهذا الحديث مذهبهم واعتقادهم ، في مفضوليّة عثمان من الشيخين وأفضليّتهما عليه ، ويثبت كذب نجاة الأوّل من الحساب - كما وضعه الكذّأبون الأقشاب - .
ثمّ لا يخفى عليك ! إنّ صاحب الرياض النضرة لمّا تنبّه على تناقض هذين الكذبين ، ومعارضة أحدهما للآخر ، رام أن يجمع بينهما فأتى بما يقضي منه العجب الناظرون ، ويضحك عليه الماهرون ، فقال بعد ما سبق :
« وقال أبو بكر الحافظ البغدادي : وفي رواية أخرى ( قضى لي حاجة سرّا ، فسألت أن يجعل حسابه سرّا ) قلت : ولا تضادّ بين الروايتين ، بل تحمل الأولى على أنّه سأله أن لا يحاسبه جهرا بين الناس ، فوهب له ذلك ، وجمعا بين هذا وبين ما ورد في حقّ أبي بكر من بعض الطرق أنّه لا يحاسب ، وسيأتي في خصائصه ، ويكون معنى أوّل من يحاسب أوّل من يبعث للحساب ، لأنّه أوّل من تنشقّ عنه الأرض - كما تقدّم - ثمّ لا يحاسب » « 1 » إنتهى .
أقول : لا يذهب على من له مسكة شعور وتمييز بين الظلّ والحرور ، إنّ هذا التأويل عليل ، وما لأحد من العقلاء إلى تصديقه سبيل ؛ لأنّه إذا كان معنى حديث ( أوّل من يحاسب أبو بكر ) ، إنّه أوّل من يبعث للحساب لكنّه لا يحاسب ، وكذا عمر وعليّ - لاتحاد السياق - وبطلان إرادة معنيين من لفظ واحد ؛ ولا أقل من إرادة ذلك المعنى في حقّ أبي بكر على حسب نصّه وتصريحه ، فيكون حال أبي بكر وعمر وعليّ وعثمان كلّهم في عدم الحساب سواسية كأسنان المشط ، فلا معنى لافراز عثمان من هؤلاء ، مع أنّ الحديث صريح في أنّ
هامش
( 1 ) الرياض النضرة للطبري : 1 / 250 ( 86 ) .