بإنّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فيما لم يوح إليه كأحد من الناس ، وهل ذلك إلّا من أكاذيب الخنّاس اللّواس « 1 » .
فإنّه لو سلّم أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يعمل في شيء من الأحكام بغير نزول وحي من الملك العلّام ، فليس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كأحد من الناس في هذا الحكم ، بل عقله المتين ورأيه الشريف أفضل وأعلى ، وأحكم وأسنى ، وأصوب من كلّ أحد في جميع الأمور ، فإنّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أعطي من العقل ما لو قسم على الخلق كلّهم صاروا كلّهم عقلاء حكماء ، ولم يبق فيهم سفيه ، فكيف يصدّق أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في أمر من الأمور - ولو لم يوح اليه فيه شيء - كأحد من الناس ! ! ، العياذ باللّه من ذلك .
قال القاضي عياض في الشفا :
« قال وهب بن منبه : قرأت في أحد وسبعين كتابا ، فوجدت في جميعها :
إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أرجح الناس عقلا ، وأفضلهم رأيا ، وفي رواية أخرى ، فوجدت في جيعها : إنّ اللّه تعالى لم يعط جميع الناس من بدء الدنيا إلى انقضائها ، من العقل في جنب عقله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، إلّا كحبة رمل من بين رمال الدنيا » « 2 » إنتهى .
فهذا صريح في أنّ عقله الشريف أعلى وأرجح وأفضل من جميع الناس ، من ابتداء الخلق إلى انتهائهم ، بل عقله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أعلى وأرجح بمراتب لا تحصى ، بحيث تكون عقول سائر الخلق في جنب عقله كلا شيء ، فإنّ عقل سائر الخلق في وزان عقله الشريف كحبّة رمل من بين رمال الدنيا ، وظاهر أنّه لا اعتداد بحبّة
هامش
( 1 ) اللّوس : الأكلّ القليل ، رجل لؤوس : تتبع الحلاويات فأكلها .
( 2 ) الشفا للقاضي عياض : 1 / 162 .