القبيح ؛ ولو رواه ثقات رجالهم ، وأئمّة شيوخهم ، وإثبات محدّثيهم ، فإنّه قد بينّا فيما سبق إنّ الحكم بالوضع لا يتأتى بمجرّد كون رجال الحديث مقدوحين ، حتى يثبت ذلك الخبر باثباته من طريق آخر ، بل مدار الحكم بالوضع على علامات ودلائل ، وبراهين ومخائل ، إذا وجد منها شيء حكم بالوضع ، سواء روته الثقات الأجلّاء والشيوخ النبلاء ؛ أم أرباب الضعف واللين ، وأصحاب الكذب والفرية على سيّد المرسلين ، غاية الأمر أنّ الرواة يحكمون على الموضوع الذي رواه ثقاتهم ومعتمدوهم بالتدسيس والإدخال ، لا أن يحكموا بالصحّة والثبوت وثقة الرجال ، كما رأيت فيما سبق وتراه فيما سيأتي .
فإنّ سلّمنا إنّ هذا الخبر قد رواه ثقاتهم وأثباتهم ، وإنّه ليس بمنحصر في ابن ميمون ، بل تابعه آخرون ، فغاية الأمر أنّ ابن الجوزي لو شاهد ذلك لحكم بالتدسيس والإدخال على ثقاته ، لا أن يجعل ذلك دليلا على تصحيحه وإثباته ، فإنّه ليس ممن ينكل وينكص عن الحق مخافة محيل يقدح في الابصار ، بترويج زيوفه الكاسرة عند النقاد والأحبار ، فإنّه لا يحتفل ولا يبالي بشأن عظيم ولا هيبة جليل ، بل يبوح بالحقّ والصّدق ، ولا يخاف لومة لائم وعذل عاذل ، حتى أنّه يرمي كثيرا من عظماء أهل مذهبه وأجلّاء أرباب مشربه بالعظائم ، ويعيّرهم ويشنع عليهم بفضائح الجرائم ، كما لا يخفى على ناظر كتابه تلبيس إبليس « 1 » ، النافي حجاب الإحتجاب عن وجه التدليس .
فكيف يخاف ابن الجوزي بثقة الرجال في الإبانة عن الحق ، ويترك قوله وحكمه بتهديد أمثال السيوطي ؟ ! ، غاية الأمر أنّه لو سامحهم وداهنهم وداراهم ،
هامش
( 1 ) تلبيس إبليس لابن الجوزي ، مطبوع في بيروت دار الكتب العلمية . وقد ذم فيه المؤلف الكثير ممن أبدع البدع ومن تلبس بفنون العلم .