فإنّه لو فهم من الحديث هذا المعنى البعيد بل الباطل ، لم يكن لتعديده في مناقب أبي بكر وجه ، بل ينبغي على ذلك أن يعدّ من كتاب الصلاة أو كتاب الأدب ، كما لا يخفى على أهل الظرف والأدب ، اللهمّ إلّا أن يؤوّل ويرتكب توجيه بعيد ، وهذا ممّا لا يلتفت اليه الماهر السديد .
ولعلّ النسخة التي وقعت إلى السيوطي تصرّف فيها الناسخ ، فكتب ترجمة الحديث بما يبعد عنه بفراسخ ، وهذا هو الظاهر عند من له قدم في التتبع للنسخ .
ومع ذلك كلّه فليس لنا كبير اهتمام بابطال ، إنّ ابن الجوزي فهم من الحديث ما نسب السيوطي اليه ، بل غرضنا أنّه حكم بوضع هذا الحديث ، سواء فهم منه هذا المعنى أو غيره ، وهذا ممّا ليس فيه ريبة وهو كاف .
أمّا الطريق الذي نقله السيوطي عن الزوزني : فلا يخفى على نقّاد الأخبار سقوطه عن درجة الاعتماد والاعتبار ، فإنّ فيه داود بن الوازع ، وهو ضعيف مقدوح ، فلا يبعد عنه الافتراء على الشارع ، قال في الميزان :
« داود بن الوازع ، عن محمّد بن المنكدر ، ضعّفه الأزدي وغيره » « 1 » انتهى .
فمتابعة داود لأحمد بن بشير غير مجد عند الناقد البصير .
ثمّ إنّ في هذا الطريق انقطاع وإرسال ، وهو أيضا من المزيّفات عند أرباب الحديث والرجال ، فإنّ القاسم لم يحضر القصّة ، ولا روى عمّن شهدها .
وأمّا ما رواه أحمد بن منيع : فهو أيضا كذب شنيع ، وبهتان فظيع ، وإن كان فيه متابعة يزيد بن هارون لأحمد ، لكن لمّا كان فيه ابن ميمون فهو مثل ما رواه الترمذي مقدوح موهون ، فهل تجدي هذه المتابعة في الفرع مع فساد الأصل .
هامش
( 1 ) ميزان الإعتدال : 3 / 35 ( 2655 ) ، وانظر لسان الميزان للعسقلاني : 2 / 32 ( 3297 ) .