إنّ المنافقين يزعمون أنّ الإنفاق في سبيل اللّه خسارة ، مما يعكس بخلهم وجهلهم معاً . وَمِنْ الأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا ، ومن مظاهر جهلهم وخشيتهم أنّهم ينتظرون نزول البلاء على المسلمين . ويدل ذلك على أنهم خبثاء ، كما يدل على تخلفهم الحضاري ، فبدل أن يقوموا بعمل ضد من يحسبونه عدوًّا تراهم ينتظرون ذلك غيبيًّا دون أن يقوموا بنشاط .
وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ ، والدائرة هي النائبة ، التي تحيط بجوانب الشخص ، وتحاصره فلا يجد منها مخرجاً ، ولكن أليس هذا الانتظار المتخلِّف واللئيم بذاته دائرة أحاطت بهم أنفسهم ؟ ! . عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ .
8 - هذا ما كنزتم
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنْ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ « 1 » .
لماذا يجوز للإنسان أن يسمع كلام الطبيب ، والمهندس ، والخبير العسكري ، ويتَّبع أوامرهم دون تحقيق أو بحث ، بينما لا يجوز له أن يتبع الحِبْر ( العالِم ) أو الراهب اتّباعا مطلقاً ؟ . أوَليس العالِم بالدين يُشبه الخبير في سائر الحقول ؟ .
للإجابة عن هذا السؤال - الذي كان مطروحاً عند اليهود والنصارى أيضاً - نستطيع أن نقول - استلهاماً من القرآن - : إنّ مراجعة الخبير ، أي خبير ، بحاجة إلى أمرين :
الأول : الثقة بأنه خبير فعلًا ، فإنك لا تراجع طبيباً تشك في معرفته بالطّب .
الثاني : الثقة بأمانته وأنّه لا يخون . فرئيس الدولة لا يستقدم طبيباً من الحزب المعادي ، وقائد الجيش لا يتَّبع نصيحة ضابط يشك في ولائه .
وكلّما كانت القضية التي تراجع فيها أخطر كنت تحتاج إلى ثقة أكبر في علم الخبير وأمانته . ولكن قد يكون البشر غير عارف بأهمية قضيته فيراجع خبيراً من دون ثقة كافية ، كما
هامش
( 1 ) سورة التوبة ، آية : 35 - 34 .
.