ولعل هذه الفكرة تفسّر لنا العلاقة بين الحديث عن مشاهد القيامة ( في الآيات
18 8 من سورة المعارج ) والحديث عن الإنسان ( في الآيات 19 - 21 ) . والمستقرئ للآيات القرآنية يجد أنّ الوحي ما يكاد يُحدّثنا عن صفات الإنسان السلبية إلَّا ويمهّد لذلك بالحديث عن الآخرة ، أو يُلحقه بالتذكير بها ، لأنّه علاج ناجح لها .
5 - ويمنعون الماعون
فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ « 1 » .
الصلاة الحقيقية تُحرِّر الإنسان من شح ذاته ، فتكون يده سخيّة ، وسعيه مباركاً . فتراه ينصر المظلوم ، ويُعين المحروم ، بينما الذي يُرائي في صلاته يمنع أبسط الحقوق المفروضة عليه ، ولذلك فإنّ ربَّنا سبحانه ذَكَرَ منع الماعون من صفات الساهين عن صلاتهم وقال تعالى : وَيَمْنَعُونَ المَاعُونَ ، قالوا : « الماعون معناه كل ما فيه منفعة » . وقالوا : « إنه ما يتعاوره الناس بينهم من الدلو ، والفأس ، والقدر ، وما لا يُمنع كالماء والملح » « 2 » .
جاء في الحديث عن الإمام الصادق ( ع ) أنه قال :
« هُوَ الْقَرْضُ يُقْرِضُهُ ، وَالْمَعْرُوفُ يَصْطَنِعُهُ ، وَمَتَاعُ الْبَيْتِ يُعِيرُهُ ، وَمِنْهُ الزَّكَاةُ .
فَقُلْتُ لَهُ : إِنَّ لَنَا جِيرَاناً إِذَا أَعَرْنَاهُمْ مَتَاعاً كَسَرُوهُ وَأَفْسَدُوهُ فَعَلَيْنَا جُنَاحٌ إِنْ نَمْنَعْهُمْ ؟ .
فَقَالَ ( ع ) :
لَا لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ إِنْ تَمْنَعُوهُم إِذَا كَانُوا كَذَلِكَ » « 3 » .
وبالرغم من أنهم ذكروا اثنتي عشر قولًا في معنى الماعون ، إلَّا أن الأقوال تعود - فيما يبدو - إلى أمر واحد هو المعروف كله ، ولكن يبدو أنه المعروف الذي يُعتبر مَنْ يمنعه خسيساً ومنبوذاً اجتماعيًّا ؛ لأنه من النوع الذي يتساهل فيه الناس عادة ، مثل إعارة الظروف ، وإعطاء الماء ، والملح ، وما أشبه .
هامش
( 1 ) سورة الماعون ، آية : 4 - 7 .
( 2 ) مجمع البيان ، ج 10 ، ص 834 .
( 3 ) الكافي ، ج 3 ، ص 499 .
.