كانت الحالة عند اليهود ، حيث إنهم لم يعطوا الرسالة أهمية كافية فإذا بهم يراجعون أولئك العلماء ( الأحبار والرهبان ) مع علمهم بما لديهم من مخالفات كانت بحكم العقل والفطرة متنافية مع الدين ، لذلك يُذكِّر القرآن هؤلاء بتلك المخالفات التي تُسقِط الأحبار والرهبان من صلاحية الاتّباع ، ويقول : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنْ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ، إنّ أكل مال أحد بغير حق أبسط مخالفة يعرفها الجميع فطريًّا بأنها ليست من الدين ،
والأعظم من ذلك أنّهم كانوا يصدون عن سبيل اللّه ، وسبيل اللّه هو كل خير ، مثل الدفاع عن المظلومين والمستضعفين ، وإعانة الفقراء والمساكين ، والعمل من أجل بناء الوطن ، وهكذا . . . إنّ هؤلاء كانوا يصدون عن سبيل اللّه بدل العمل في هذا السبيل : وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه .
وأيضاً تراهم يؤيدون الذين يكنزون الذهب والفضة ، بل هم أيضاً كانوا يكنزون الذهب والفضة : وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ . ومَنْ يكون عند اللّه معذَّباً هل يمكن تقليده واتّباع أوامره ؟ .
أمّا عذاب اللّه الذي ينتظر هذا الفريق من الناس فهو أنّ ربنا سبحانه سوف يحمي هذه النقود حتى تلتهب ، ثم يضعها على جوانبهم ليُحْرقوا بها :
يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ . فبدلًا من تحقيق هدفهم من الكنز ، وهو الانتفاع به ، أضرَّهم الكنز وأصبح ناراً لاهبة تكوي أطرافهم .
فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ .
ما الكنز ؟ وأيُّ قدر من المال المخزون يعتبره الإسلام كنزاً ؟ . هل هو الزيادة على حاجة الفرد ؟ أم هو أكثر من أربعة آلاف دينار ؟ . أم هو المال الذي لا ينفقه الفرد في سبيل اللّه ، ولا في بناء المجتمع - صناعيًّا ، أو عمرانيًّا ، أو زراعيًّا ، أو تجاريًّا - ولا يدّخره لحاجة شخصية محتملة مثل مرض أو عالة . أم ماذا ؟ .
قد يكون الكنز بالذات حراماً للفلسفة المالية التي جاءت في سورة ( النساء ، الآية : 5 ) حيث يقول ربنا : وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا . فإنّ المال قيام للمجتمع وتخزينه من دون فائدة إضاعة لجهود الناس ، ويُعدّ عائقاً للحركة الاقتصادية .
الفقه الإسلامي ( دراسة استدلالية في فقه الخمس وأحكام الإنفاق والإحسان ) — صفحة 59
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٥٩