ومعلوم أنّه لا مستند للعلماء إلَّا هاتين المرسلتين ، وذلك لما ادَّعاه من أن الشهرة إنما تجبر الخبر بالمقدار الذي أفتوا به ، دون ما يلزمه خارجاً .
أقول : أما أنّ الشهرة لا تجبر الخبر إلَّا بمقدار الفتوى به ، فهو مخالف لما أرسى عليه الفقهاء قواعدهم الفقهية من أنّ الشهرة تجعل الخبر موثوق الصدور ، فإذا كان هناك خبر ضعيف وانجبر بالشهرة ، كان المحور ذلك الخبر دلالةً ووضوحاً حتى لو لم تكن للخبر دلالة لا يفيد جبره بالشهرة . كما أنّه لو لم يكن هناك غير الشهرة دون خبر لكانت حجةً ؛ لأن المدار لم يكن الشهرة وحدها ولا الشهرة منضمّةً ، بل كان المرجع الخبر الموثوق به بسبب الشهرة ، وذلك لأنّ الخبر الموثوق به والمستبان ، حجة عند العقلاء ، وهو القدر الظاهر في أدلة حجيَّة الخبر الواحد . ولا فرق في حصول الثقة بالخبر ، أن تكون الثقة من جهة وثاقة سند الخبر أو من الخارج . وإذا حصلت الثقة من الخارج بسبب الشهرة مثلًا كان الخبر ممَّا وُثِقَ بصدوره عن مصدر العلم والوحي ، وبذلك يصبح الخبر مثل الموثوق سنده في تمام الأمور ؛ لأن الشهرة عرَّفتنا أن الخبر صادر عن الأئمة ، وإلَّا لم يعتمد الفقهاء عليه . ومع صدوره كان حجةً علينا ووجب اتِّباعه مطلقاً .
هذا كلّه مضافاً إلى أنّ المرسلة الثانية حجة ، لأنّ المرسِل من أصحاب الإجماع كما سبق الاعتراف به من صاحب الجواهر نفسه في مسألة لزوم إتمام الإمام ما أعوز من غيره . فقال ( رحمه الله ) : « إلَّا على مرسلة حماد بن عيسى المجمع على تصحيح ما يصح عنه ، المقتضي لعدم قدح من علم فسقه ممن تأخر عنه في وجه ، فضلًا عن غير المعلوم » « 1 » .
الوجه الثاني : ما ذكره المحقق الهمداني ( رحمه الله ) بقوله : « إنّ وجوب الإتمام عليه إن سلّم كما يدل عليه مرسلتا حماد وأحمد ، فهو في حال بسط يد الإمام ( ع ) ، ونقل كلّ الخُمس أو معظمه إليه بحيث يسعه القيام بمؤونة فقراء الهاشميين من سهمهم ، ولو بتتميم النقص من نصيبه ، كسائر السلاطين القاهرين الذين ينقل إليهم الخراج ويصرفونه في مصارفه ، لا في مثل هذه الأعصار التي لا يصل بيد من يتولّى تقسيمه إماماً كان أو غيره أو صاحب المال إلَّا أقلّ قليل ، ففي مثل هذا الفرض لا يجب عليه الإتمام قطعاً على تقدير حضوره فضلًا عن غيبته » « 2 » .
هامش
( 1 ) جواهر الكلام ، ج 16 ، ص 109 . .
( 2 ) مصباح الفقيه ، ج 3 ، ص 159 .
.