4 - الإطعام على حبه
وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا « 1 » .
هناك صفة هامة تُقرّب الأبرار إلى ربِّهم وتُهيِّئهم لذلك النعيم الكبير الذي أعده الرب للأبرار من عباده ، ألا وهي تحمّل المسؤولية الاجتماعية تجاه الضعفاء وأهل الحاجة ، بالرغم من حاجتهم الماسّة إلى الطعام ، فقال ربُّنا سبحانه :
وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ، قيل : عَلَى حُبِّهِ أي على حبّ اللَّه ، وهذا صحيح من ناحية المعنى ، أمّا سياق الكلام فربما دلّ على حبّ الطعام ، لأنّه أقرب إلى الضمير ، ولأنّ حبّ اللَّه ( ووجهه ) ذكر في الآية التالية بصورة مستقلّة .
وهذا يعني أنّ المراد من حبّ الطعام هنا : أنّ الأبرار لا يطعمون الآخرين من فاضل طعامهم ، بل ممّا يطعمونه أنفسهم وإلى حدّ الإيثار ، بحيث يتصدّقون بما عندهم وينفقونه مع حاجة وحبّ إليه . وهذه من أرفع مراحل التضحية والعطاء ، ويؤكّد ذلك أنّ الإنفاق ممّا تحبّه النفس من شروط القرآن لبلوغ درجة البر ، كما قال سبحانه : لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ « 2 » .
وباعتبار أن الآية تحدّثنا عن صفات الأبرار فكان من المناسب ذكر الصفة ذاتها .
وبما أن الإنفاق قد يكون بهدف الاستكبار والتعالي على الآخرين وبسط السلطة عليهم ، فقد ذكَّرنا القرآن بأن لأبرار يخلصون في إنفاقهم : إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللِّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ، إنّ الأبرار لا يتطلّعون إلى شيء وراء إنفاقهم وخدماتهم للآخرين إلَّا رضا اللّه وثوابه ، ممّا يعكس تمحّض التوحيد في أنفسهم ، فلا يطالبون حتى بكلمة الشكر ( شكراً ، وأحسنتم ) وما إلى ذلك . قال الإمام الصادق ( ع ) :
« وَاللَّهِ مَا قَالُوا هَذَا لَهُمْ ، وَلَكِنَّهُمْ أَضْمَرُوهُ فِي أَنْفُسِهِمْ ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ بِإِضْمَارِهِمْ ، يَقُولُونَ : لَا نُرِيدُ جَزَاءً تُكَافِئُونَنَا بِهِ ، وَلَا شُكُوراً تُثْنُونَ عَلَيْنَا بِهِ ، وَلَكِنْ إِنَّمَا أَطْعَمْنَاكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ وَطَلَبِ ثَوَابِهِ » « 3 »
،
هامش
( 1 ) سورة الإنسان ، آية : 8 - 9 .
( 2 ) سورة آل عمران ، آية : 2 .
( 3 ) بحار الأنوار ، ج 35 ، ص 240 .
.