والإسلام لا يطالب الإنسان بإعطاء كل ماله في سبيل اللّه ثم يجلس خالي اليد ، بل يطالبه بالاعتدال في الإنفاق ، كما قال اللَّه تعالى في سورة الفرقان : وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا « 1 » . وهنا يقول ربنا : وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا ، وتدل الآية على خطأ النظرة القائلة بفصل الدين عن الدنيا ، إذ بإمكان الإنسان أن يبني مسجداً إلى جانب بيت فخم . إلَّا أنّ للإمام علي ( ع ) ، تفسيراً آخر للآية ينسجم مع سياق الآيات ، يقول الإمام ( ع ) :
« لَا تَنْسَ صِحَّتَكَ ، وَقُوَّتَكَ ، وَفَرَاغَكَ ، وَشَبَابَكَ ، وَنَشَاطَكَ أَنْ تَطْلُبَ بِهَا الْآخِرَةَ » « 2 » .
وذلك أنّ ما يبقى من الدنيا ليس سوى ما يبعثه الإنسان إلى الآخرة .
ثم أكد السياق ضرورة الإحسان إلى النّاس ، والإحسان هو بذل المزيد من الأموال مضافة إلى الحقوق المالية المفروضة ، ولا ريب في إنّ الثروة المكدّسة لا تهنأ لصاحبها من دون الإحسان ، وإنّ لذّة روح الإنسان من الإحسان أعظم بكثير من لذّة بدنه بالترف ، كما إنّ الإحسان يمتص نقمة المحرومين على صاحب الثروة ، ويُحوِّلها إلى ذِكْرٍ حسن ، وثواب عند اللَّه عظيم ، بينما الشح يؤدي إلى الفساد والاستكبار في الأرض .
وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ . ولعل نهاية الآية السابقة على هذه الآية : إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ « 3 » ، تلتقي مع هذه الآية ؛ إذ إنّ الغرور ( الفرح ) يؤدي للفساد في الأرض ، وعموماً نجد أنّ هذه الآية تدخل ضمن آيات الجهاد بالمال ؛ لأننا لا نحصر العطاء بالواجبات .
هامش
( 1 ) آية : 67 .
( 2 ) بحار الأنوار ، ج 68 ، ص 177 .
( 3 ) سورة القصص ، آية : 76 .
.