تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفقه الإسلامي ( دراسة استدلالية في فقه الخمس وأحكام الإنفاق والإحسان ) — صفحة 35

مساهمون:

ص٣٥
وهذا ما يجعلهم في عطاء دائم ، لأنّه لا ينقطع بسبب عدم مجازات الآخرين لهم ، أو حتى وقوفهم من إحسانهم موقفاً سلبيًّا . كيف يتجرّد الأبرار من حبّ الذات إلى هذه الدرجة السامية ؟ . كيف ينتزعون من أنفسهم حبّ الأموال التي يحتاجونها لطعامهم وقد فُطِرت الأنفس على حبّ المال ، وبالذات حينما يكون المال ثمن أهمّ حاجة عند الإنسان وهي حاجة الطعام ؟ . وأعظم من هذا ، كيف يُسيطرون على غريزة حبّ السلطة والعلو في الأرض التي هي أعظم غريزة عند الإنسان ، وهي التي كانت وراء خروج آدم ( ع ) من الجنة ، حتى تراهم لا يبحثون عن كلمة شكر تُقال لهم ، أو أيّ جزاء من أيّ نوع يُكافَؤون به ؟ . الجواب : إنّهم يعيشون أهوال القيامة ، وكلّ همّهم النجاة منها . إنّهم يعيشون العالَم الذي يُمثلِّه يوم القيامة ، ذلك العالم الذي له همومه وتطلّعاته المختلفة عن هذا العالَم الماديّ المحدود ، وهم يعرفون أنّ ثمن النجاة في ذلك اليوم المُرعِب الرهيب الفظيع إنّما هو باتِّقاء شحّ الذات ، وإيثار الضعفاء والمحتاجين ، إذ إنّ المسؤولية الاجتماعية تجاه المحرومين والبؤساء ليست اختيارية يتحمّلها الإنسان أو لا يتحمّلها ، وإنّما هي واجب ديني يتَّصل بمصيره في الآخرة ، وعاقبته عند اللّه ، وإذا ما دخلت هذه الحقيقة إلى وعي الإنسان فسوف لن يتوانى في أدائها ، إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً « 1 » ، أي شديداً وعسيراً . قال الأخفش : « القمطرير أشد ما يكون من الأيّام وأطوله في البلاء . . . وقال الكسائي : . . يوم مقمطر إذا كان صعباً شديداً . . » « 2 » . ويجدر بنا أن ننقل هنا شأن نزول السورة حسب الرواة والمفسِّرين من كلّ الفرق الإسلامية ، لكي نعرف أنّ هذه الصفات المذكورة في القرآن قد جسّدها فعلًا بشر ، قد خُلِقوا من لحم ودم ، وكانت فيهم الحاجات والغرائز فتغلّبوا عليها بحول اللَّه وقوته ، وبفضل وعي الآخرة . إنّهم ذريّة رسول اللَّه ( ص ) : فاطمة ، وبعلها ، وبنوها ، وخادمتهم فضّة ( ع ) . قال العلامة الطبرسي : « نزلت في عليّ ، وفاطمة ، والحسن ، والحسين ( ع )
هامش
( 1 ) سورة الإنسان ، آية : 10 . ( 2 ) الجامع لأحكام القرآن ، ج 19 ، ص 135 . .
الفقه الإسلامي ( دراسة استدلالية في فقه الخمس وأحكام الإنفاق والإحسان ) — صفحة 35 | السيد محمد تقي المدرسي